د. بسام روبين
في دولة تتزاحم فيها التحديات الإقتصادية وتتداخل فيها الملفات الإجتماعية، يطل علينا مشروع تعديل قانون المؤسسة العامة للضمان الإجتماعي تحت عنوان ( الإستدامة ) ، وكأن الضمان لم يكن يوما شبكة أمان إجتماعي، بل أصبح ساحة لإعادة هندسة الأرقام بعيدا عن جوهر الخلل.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس تقنيا ولا إجرائيا، بل أخلاقي ودستوري ومالي في آن معا ،
فأي استدامة نبحث عنها، وأموال الصندوق ما تزال في ذمة الحكومة بمليارات الدنانير؟ فالحديث عن أحد عشر مليار دينار ليس رقما عابرا في سجلات المحاسبة، ولا تفصيلا يمكن تجاوزه في نقاش تشريعي ، بل هو مال أقتطع من رواتب العمال والموظفين شهرا بعد شهر، وإستوفي من دخلهم قبل أن يصل إلى بيوتهم. فهو حق مكتسب تكون عبر سنوات الخدمة، وأساس ثقة بنيت بين الدولة والمواطن.
وهذا المال لم يدفع ليكون أداة لإدارة السيولة العامة، ولا ليستخدم كإحتياطي مرن في مواجهة العجز، بل أنشئ ليكون حصنا إجتماعيا يحمي الشيخوخة والعجز والوفاة والتعطل عن العمل ، وأي مساسٍ بهذا المبدأ يضعف جوهر فلسفة الضمان ذاتها.
فإذا كان الخلل ماليا في أساسه، فإن القفز إلى تعديل النصوص قبل معالجة الواقع المالي يعد معالجة للنتائج لا للأسباب. فالمشكلة ليست فقط في سن التقاعد، ولا في نسب الإشتراك، ولا في إعادة تعريف المنافع، بل في إعادة الأموال إلى صندوقها وضبط العلاقة المالية بين الحكومة والمؤسسة بضوابط قانونية ملزمة وواضحة.
ولا يجوز، قانونا ولا عدالة، أن يطلب من المشتركين التضحية قبل أن تستعاد حقوقهم.
ولا يجوز أن يقال لهم شدوا الأحزمة ، بينما لم تغلق فجوة الذمة المالية بعد.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ بتصويب الميزان، لا بإضافة عبء على الكفة الأضعف ، وأي دراسة إكتوارية، مهما بلغت دقتها، تبقى منقوصة إذا لم تبنى على واقع مالي مستقر وصحيح. فالإستدامة ليست شعارا يرفع، بل معادلة تبدأ بإسترداد الأموال، وجدولة زمنية معلنة وملزمة لإعادتها، وشفافية كاملة في إدارة أموال المؤمن عليهم، مع فصل محكم بين المال العام وأموال الصندوق.
والثقة هي العمود الفقري للضمان الإجتماعي ، وإذا إهتزت هذه الثقة، فلن ترممها صياغات قانونية متقنة ولا حملات إعلامية مطمئنة. فالثقة تبنى بالفعل قبل القول، وبإعادة الحقوق قبل تعديل النصوص ، ونحن
لسنا ضد التطوير، ولسنا ضد مراجعة القوانين حين تقتضي الضرورة ، لكن ترتيب الأولويات ليس ترفا سياسيا، بل شرط دستوري وأخلاقي ، راجين من الحكومة إعادة الأموال
أولا ، وإغلاق فجوة الذمة المالية ، وتثبيت الثقة بين الدولة والمواطن ،
بعدها فقط، يمكن أن نناقش تعديل القانون من موقع قوة وعدالة، لا من موقع قلق وإرتباك .
حفظ الله الأردن
عميد اردني متقاعد
الأردن: رجعوا أموال الضمان قبل أن تعدلوا القانون!


