بقلم : الدكتور محمد الحناقطه
يُعَدّ سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز الظواهر السلبية في عصرنا الحديث إذ تحوّلت هذه الوسائل عند كثير من الناس من أدوات للتواصل والمعرفة إلى منصّات لنشر التفاهة وتضليل الوعي. فمن مظاهر هذا السوء الإفراط في الاستعراض وحبّ الظهور حيث يسعى بعض الأفراد إلى توثيق أدق تفاصيل حياتهم طلبًا للإعجاب أو الشهرة ولو على حساب القيم والخصوصية. والمشكلة هنا ليست في وسائل التواصل ذاتها بل في غياب الوعي والفكر.
وهذه الظاهرة تعد من أخطر السلوكيات المعاصرة حين تتحوّل من رغبة طبيعية في التقدير إلى هوسٍ بالتصوير والاستعراض. وتتجلّى هذه الظاهرة بصورة فاضحة في مناسبات الحزن حيث يُفترض الوقار واحترام مشاعر أهل المصاب واستحضار معاني التعاطف الصادق. وهي ظاهرة دخيلة وحديثة على مجتمعاتنا لم تكن معروفة بهذا الشكل من قبل ولا تنسجم مع منظومتنا القيمية القائمة على الوقار واحترام الخصوصية وصون المشاعر الإنسانية. فقد اعتاد الناس في الماضي أن يكون الحزن مقام صمت وهيبة لا مجال فيه للاستعراض أو لفت الأنظار.
في مثل هذه المواقف يُفاجَأ الناس بسلوكيات تفتقر إلى الحسّ الأخلاقي كالتقاط الصور بجانب المعزّين أو أمام بيوت العزاء أو حتى مع أهل الفقيد لا بدافع المواساة بل بحثًا عن الظهور وجمع الإعجابات فيتحوّل الحزن من حالة إنسانية صادقة إلى مشهدٍ مُصطنع يُختزل فيه الألم الحقيقي في صورة أو منشور عابر. هذا السلوك يُفرغ مناسبات الحزن من معناها القيمي ويُسيء إلى ثقافة التعاطف كما يكشف خللًا في ترتيب الأولويات إذ تُقدَّم الذات والصورة على المشاعر والحرمة. والأسوأ من ذلك أنّ تكرار هذه الممارسات يُطبعها في الوعي العام فتغدو مقبولة أو مألوفة رغم تعارضها الصريح مع الأخلاق والدين والعرف الاجتماعي.
إنّ احترام الحزن لا يكون بعدسة هاتف ولا بمنشور علني بل بحضور صامت وكلمة صادقة وموقف إنساني خالٍ من الادّعاء. فالقيم لا تُقاس بعدد المتابعين والمبادئ لا تُعلَّق على شاشات بل تُختبر في مثل هذه اللحظات الدقيقة التي تكشف حقيقة الإنسان. غير أنّ وسائل التواصل حوّلت بعض النفوس الضعيفة إلى أسرى للكاميرا فباتت لحظات الألم فرصة للظهور لا للمواساة. وهنا تتجلّى تفاهة السلوك بوضوح إذ يعجز صاحبه عن إدراك قدسية الموقف فيُقايض القيم بعدسة والمشاعر بعدد من الإعجابات والإنسانية بمنشور عابر. أيُّ خواءٍ فكري وأخلاقي هذا الذي يجعل إنسانًا يقف في مجلس عزاء ليُحسن اختيار زاوية تصويره بدل أن يُحسن اختيار كلمته؟ إنّ هذه الممارسات لا تعبّر عن تعاطف بل عن فراغ قيمي وسطحية مقيتة تكشف خللًا في الوعي قبل السلوك. فالحزن ليس مسرحًا ولا الموت مناسبة اجتماعية للترويج الذاتي ومن يفعل ذلك إنما يُعلن من حيث لا يدري فقره الأخلاقي وضحالة وعيه .
إذا كان من خطر حقيقي لهذه الظاهرة فهو تطبيع التفاهة وجعلها سلوكًا عاديًا بينما هي في حقيقتها إساءة للمجتمع واعتداء على حرمة الحزن وانحدار في سلّم القيم. فالمجتمعات لا تُقاس بتطوّر وسائلها بل برقيّ أخلاقها وحين يُستبدل الوقار بالاستعراض نكون أمام أزمة قيم لا مجرد سلوك عابر.


