كتب :د . محمد الحناقطة
شهد النظام الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تحولات جوهرية تمثلت في غياب العدو الأيديولوجي التقليدي الذي كان يشكّل محور السياسات الأمنية والعسكرية الغربية.
وفي ظل هذا الفراغ برز الإسلام في الخطاب السياسي والإعلامي الدولي بوصفه تهديدًا بديلًا وتم تقديمه كخطر حضاري وأمني مما أسهم في إعادة صياغة العلاقات الدولية مع العالم الإسلامي على أسس أمنية أكثر منها حضارية أو إنسانية.
تعتمد السياسات الدولية في كثير من الأحيان على بناء صورة “التهديد” لتبرير قرارات استراتيجية كبرى. وفي هذا السياق جرى تصوير الإسلام ككيان متجانس وعدائي متجاهلين التعدد الثقافي والفكري داخل المجتمعات الإسلامية. وأسهم هذا التبسيط في تحويل الإسلام من دين عالمي إلى مفهوم أمني يُتداوَل في تقارير ومؤسسات صنع القرار.
لم يقتصر التوظيف السياسي على الإسلام كدين فحسب بل شمل ما يُعرف بالإسلام السياسي حيث تم ربط أي مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية بالتطرف . وقد أسفر هذا التوظيف عن نتائج عميقة من أبرزها تشويه صورة الإسلام عالميًا وإضعاف الثقة بين العالم الإسلامي والمجتمع الدولي إضافة إلى تكريس الانقسامات الداخلية وتحويل قضايا التحرر والاستقلال إلى ملفات أمنية. كما ساهم هذا الخطاب في تهميش البعد القيمي والأخلاقي في العلاقات الدولية.
ويجدر التأكيد على أن تصوير الإسلام كخطر عالمي هو نتاج توظيف سياسي مقصود يخدم مصالح استراتيجية محددة ولا يعكس حقيقة الإسلام أو تنوع تجاربه التاريخية والسياسية.
ويجدر التأكيد ايضا انه مهما تعددت السياسات والإجراءات التي يتخذها الآخر ضد الإسلام فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة كونه دينًا سماويًا يستمد استمراريته وقدرته على البقاء من مصدره الإلهي وهو ما يجعل زواله أو القضاء عليه أمرًا غير ممكن تاريخيًا أو حضاريًا. ورغم ما يمارَس من ضغوط سياسية وإعلامية ضد الإسلام في السياق الدولي فإن استمراره وانتشاره يرتبطان بطبيعته كدين سماوي ما يمنحه قدرة دائمة على التجدد والتأثير بمعزل عن موازين القوة السياسية المتغيرة.
ويُلاحظ في المقابل أن الإسلام يُعد أسرع الديانات نموًا على مستوى العالم وهو ما يشير إلى جاذبية منظومته القيمية وقدرته على الاستجابة لحاجات إنسانية وأخلاقية متجددة. ويعود هذا الانتشار المتزايد إلى ما يدعو إليه الإسلام من قيم إنسانية شاملة في مقدمتها العدل والحق والكرامة الإنسانية والتكافل الاجتماعي وهي قيم تتجاوز السياقات الثقافية والجغرافية وتجد صداها في المجتمعات المختلفة.
وبناءً على ذلك فإن محاولات احتواء الإسلام أو تهميشه تظل مرتبطة بظروف سياسية مرحلية في حين تبقى القيم الإلهية التي يقوم عليها وفي مقدمتها الحق والعدل عناصر فاعلة قادرة على الاستمرار والتأثير. وعليه فإن كل ما يُمارَس من سياسات معادية للإسلام مهما بلغ حجمها يبقى محدود الأثر أمام حقيقة كونه دينًا سماويًا لا تحكمه معادلات القوة السياسية بل يستمد بقاءه من شرعية إلهية تتجاوز الزمن والهيمنة.
واخيرا يمكن القول إن الصراعات السياسية مهما اشتدت لا تغيّر من حقيقة أن القيم الأخلاقية والعدالة الكامنة في الإسلام تظل قادرة على الصمود بل وعلى الانتصار مؤكدة أن الإسلام سيظل حاضرًا وفاعلاً على المستوى الحضاري والتاريخي.


