كتب المهندس خالد باز حدادين
شارع مثل الحبّ الأول، يعيش فينا حتى ونحن ندّعي أننا نسيناه.
عند انتهاء الطريق الواصل من ماعين إلى مادبا، يبدأ شارعٌ عريضٌ ينساب نحو قلب المدينة، كأنه طريقٌ من الحلم، اصطلح الناس على تسميته شارع العشّاق. كان الاسم وحده كافيًا ليوقظ فينا، نحن صغارَ ماعين، رعشةَ خيالٍ أكبر من أعمارنا، كأننا نسمع للمرة الأولى أن للحبّ عنوانًا يمكن أن يُزار، وأن للعشق رائحةً تسكن هواء المدينة. في ماعين، كان الحبّ سرًّا صامتًا يسكن الوجوه لا الشوارع، يظهر في نظرة أمٍّ تُهيّئ العجين للخبز عند الفجر، وفي تنهيدة أبٍ يعود من الحصيد مثقلًا بالتعب والرضا معًا. أمّا هناك، في مادبا، فقد كنا نسمع أنّ للعشق ممرّاتٍ يمشى فيها، وأرصفةً تصنع عليها الأمنيات، هكذا بدأ الحلم، ومن هناك بدأت الحكاية: حكايةُ فتيانٍ من طينٍ وقمحٍ وماء، خرجوا من بساطة القرية ليبحثوا، بخطى مرتجفةٍ وقلوبٍ عطشى، عن معنى العشق في شارعٍ حمل اسمَه قبل أن يعرفوه.
كنا نسمع عنه من الفتية الكبار، أولئك الذين تجاوزوا الصف الثالث الإعدادي – نهاية التعليم في ماعين آنذاك – فصاروا يذهبون إلى مادبا كل صباح، بملابس يحاولون بكل جهدهم أن تكون مرتّبة قدر الإمكان، فهم سيمشون في شارع العشّاق. كانوا يضعون البنطال الشارلستون طوال اللبل على طويته تحت الفرشة الأرضية التي ينامون عليها ليكون شبه مكوي في الصباح، أمّا القميص فعند غسله يُنفض عدّة مرات ليجفّ دون تجاعيد، وإن ظهرت فيه، يُعرّض لبخار إبريق الشاي أو بخار الماء المتصاعد من تنكة السمنة ذات العشر أواق التي توضع دائمًا فوق الصوبة لتسخين الماء وترطيب الجو بالبخار.
كان الفتيان يعودون كل يوم الا ان عودتهم المتأخرة آخر الأسبوع يكونوا فيها محمّلين بأحاديثٍ غامضة، يتهامسون بها تحت أشجار السرو بين البساتين أو على أطراف السناسل، عن شارعٍ يسمّونه العشّاق، حيث تمشي فتيات بثيابٍ ملوّنة، ورائحة ععطر تمتزج بدخان السيارات، وحيث النظرات تُوزَّع كالأمنيات.
كان يوم الأربعاء في ماعين موعدًا لصخبٍ صغير، حين تبدأ الشمس بالميل نحو الغروب. كان بعض طلاب ماعين يتفقون على البقاء في مادبا في اليوم التالي بعد المدرسة، للسير في شارع العشّاق، حيث يلتقون بعد انتهاء الدوام عند عربة “صادق” ليتناولوا ساندويشة فلافل بقرشٍ واحدٍ فقط، يملأون بها فراغ الجوع، ولعلّها تصبرهم حتى يملأوا فراغ القلب بعد العصر. يمضون إلى شارع العشّاق بمجموعاتٍ ثلاثيةٍ في الغالب، لا أكثر، لأنّ الحبّ في ذلك الشارع لا يحتمل الجموع والا ضاعت النظرة المنتظرة.
يمشون بمحاذاة الأرصفة، بخطى بطيئة كأنهم في حالة تأمّل، يسرقون النظر كلّما مرّت فتاةٌ أو مجموعةٌ من الفتيات، نظراتٍ سريعةً متقطّعةً، كأنهم يخافون أن “تنكسر العين” كما يقولون إن أطالوا النظر.
كانت هناك، في الغالب، نظرة… والنظرة مصادفة، والمصادفة تتحول بالذهن الى وعد، والوعد حلمٌ لا يتحقق إلا في خيالٍ فتى يشتعلٍ بالانتظار. لم يكن أحدهم يعرف كيف جاءت النظرة، أو من أين وُلدت تلك اللحظة التي لا تُقاس بالزمن. تمرّ فتاة صدفةً، قد تكون متجهة إلى بيتها أو إلى السوق، لا تقصد شيئًا، بينما هو واقف على الرصيف بين زملائه،يصمت فجأة لا يتكلم، كأنّ طيرًا وقف على رأسه، أو كأنّ نسمةً دخلت قلبه فأربكته. كانت النظرات في شارع العشّاق تشبه برقًا خافتًا في سماءٍ ماعين الصافية؛ لا يُرى إلا للحظة، لكنه يترك أثره في الروح طويلًا.
بعض المراهقين، حين تمرّ الفتيات، كانوا يصمتون تمامًا، تتجمّد الكلمات على شفاههم، وتضيع أصواتهم في ضجيج السيارات، كأنّهم يخافون أن تفرّ اللحظة إن تحدّثوا. وبعضهم، بعفويةٍ طفوليةٍ مضحكةٍ ومؤثّرة، يبدأ بإطلاق أصواتٍ غريبةٍ، أو نداءٍ مختصرٍلاحد مرافقيه، لا يقول شيئًا في معناه، لكنه يقول كلّ شيء في حرقته. أمّا الأكثر جرأةً، فيبدأ بالحديث بصوتٍ عالٍ عن مغامراته الوهمية، عن قوّته، عن معركةٍ لم تقع، فقط ليُثبت لنفسه أنّه قادرٌ على لفت انتباهٍ من تلك الوجوه المارّة في صمت الغروب.
كانت تلك النظرات العابرة كأنّها مسٌّ خفيٌّ من الحلم، تمرّ ولا تترك وراءها سوى وجيب القلب أو رائحة عطرٍ مجهولٍ تبقى في الذاكرة كطيفٍ لا يزول. كانوا يعودون إلى ماعين مساءً، في الباص القديم، يجلسون صامتين، لا يتبادلون الحديث، كأنّ كلّ واحدٍ منهم يعيش قصّته وحده، غارقًا في صورٍ لا يراها غيره، ينظر من النافذة إلى الغروب الممتدّ، فيرى فيه انعكاس تلك النظرة القصيرة التي لم تطل أكثر من ثانية، لكنها بدت له كعمرٍ كاملٍ من الخيال.
وأحيانًا عند الغروب لا يجدون الباص، ولم تكن هناك وسائل نقلٍ أخرى، وإن وُجدت فلا نقود في جيوبهم تكفي — فهما قرشان وحيدان هما أجرة العودة إلى ماعين. عندها يختارون السير على الأقدام نحو ماعين، سبعة أو ثمانية كيلومتراتٍ إضافية من الصمت والتفكير، بين الغروب والظلام، بين الحلم والتعب. ومع ذلك، لم تكن تلك المسافة خسارةً بل ربحًا مؤجّلًا؛ فالمشي كان وسيلةً لتأمّل الحياة، وفرصةً لادخار القرشين لأيامٍ قادمة. كان أحدهم يتخيّل أن القرشين اللذين وفّرهما من أجرة الباص قد يكونان جزءًا من ثمن قلمٍ “كَبّاس” بألوانه الأربعة، يهديه يومًا ما لمن تقوده الصدفة إلى عينيها حقًّا.
تلك كانت غرامة العشق الأولى — أن توصلك خطاك بدلًا من نقودك، وأن تمشي الطريق الطويل بقلبٍ أثقل من حقيبتك المدرسية، لكنه مليء بالأحلام.
في رؤوس بعظهم كانت تعيش فتاةٌ لم تكلّمهم، ولم تعرف بوجودهم أصلًا، فتاةٌ مجهولة الملامح، نظرت ربما مصادفة، أو لعلها لم تنظر أصلًا، لكنّهم أقنعوا قلوبهم أنّها فعلت،. كانت النظرة، في بساطتها، كأنها نداءٌ سريّ من الكون، رسالةٌ من جهةٍ غامضةٍ تقول لهم إنّ للحبّ بابًا يُفتح دون قصدٍ، وإنّ أجمل ما في الوجود يولد من الصدفة. في ليل ماعين، حين يسود الصمت وتختبئ النجوم خلف الغيم، كانت تلك النظرة تُدفئهم كجمرةٍ من حلمٍ قديم، تُشعل فيهم الخيال وتُغذّي الانتظار، كأنها أول شرارةٍ من نارٍ أبديةٍ لا تُطفئها المسافة ولا يُخمدها النسيان.
وفي تلك الليالي الطويلة، حين تصفر الريح خارج بيوت الطين، كان أحدهم يتمدّد فوق فراشه ، يغمض عينيه، ويعيد المشهد مئة مرة : النظرة، الابتسامة العابرة، انسياب الشعر في الريح، وضوء الغروب على وجهٍ لم يعرفه إلا في خياله. كان يراها كلّ ليلةٍ بثوبٍ جديد، بلونٍ آخر، كأنّها تتجدّد مع الحلم ذاته. وعندما يعود الأسبوع التالي، يسير إلى الشارع نفسه، بالخطى نفسها، متعلّقًا بأملٍ أن تتكرّر المعجزة الصغيرة، وإن لم يجدها، أو مرّت دون أن تلتفت، يعود إلى ماعين حزينًا، لكنّه حزنٌ جميل، حزنٌ كمن لمس جوهر الحياة للحظةٍ واكتفى.
كانوا لا يعلمون أنّ ما يعيشونه لم يكن حبًّا كما تعرفه الكتب، بل يقظةَ الروح في أول امتحانٍ لها مع الجمال. كانوا يحلمون، ويحملون في أعماقهم سرّ العشّاق الأولين — أنّ الحبّ، مهما كان عابرًا، هو لحظة اشتعال تنطلق مرّة واحدة، لكنها تبقى تضيء غرف القلب ما دام في الإنسان نبضٌ للحلم.
أمّا نحن، الصغار، فكنا نحلم بشارع العشّاق كما يحلم الطفل بالبحر الذي لم يره. نتخيّله طريقًا معبّدًا بالورد، تصطفّ على جانبيه الفتيات كما تصطفّ السنابل في الحقول، وكلّ واحدةٍ منهنّ تحمل نظرةً تنتظر عاشقًا من ماعين. كنا نعتقد أن الكبار هناك يعيشون قصةً حقيقية، وأن الحبّ في مادبا يُرى بالعين كما نرى المطر على تراب ماعين.
كبرنا، وتغيّر كل شيء، لكن شارع العشّاق بقي في الذاكرة كما هو: ممرًّا بين البراءة واللهفة، بين خفقان القلب الأول وصمته الأخير. كان شارعًا في أرواحنا، يبدأ حيث تنتهي الطفولة، ولا ينتهي أبدًا… لأنه، مثل الحبّ الأول، يعيش فينا حتى ونحن ندّعي أننا نسيناه.
كان كل شيءٍ في ذلك الزمان بريئًا، نقيًّا كنسمة المساء. لم تكن الفتيات يعرفن أن نظرةً عابرةً منهنّ قد تُقيم في قلب فتى دهراً بأكمله، ولم يكن الفتيان يعرفون أن تلك النظرات التي يظنّونها رسائلَ حبٍّ خفيّة، لم تكن سوى مصادفاتٍ بريئةٍ بين عيونٍ لم تتعلّم بعد لغة العشق.
لم تكن هناك نوايا خفيّة، ولا رغباتٌ مشتهاة، بل شغفُ الاكتشاف، رعشةُ المراهقة الأولى، ودهشةُ القلب حين يرى الجمال. لم يكن تأثير تلك النظرات سوى وعدًا بأنّ في القلب مكانًا للحبّ. ذلك الحبّ الذي كان يولد من نظرةٍ في شارعٍ بمادبا، لم يكن عشقًا مدنّسًا، بل دعاءً بريئًا من أرواحٍ لم تعرف سوى الصفاء. كان حبًّا يشبه الأرض نفسها: بسيطًا، طاهرًا، صامتًا… حبًّا لا يطلب شيئًا، سوى أن يمرّ في القلب كنسمةٍ وتبقى ذكراه كابتسامةٍ من زمنٍ لا يعود.
19/10/2025- عمان


