ماعينيات – 10-
كتب : المهندس خالد باز حدادين
أيار قريتي ماعين… شهرٌ ليس كغيره، فهو ربيعٌ يتسلل إلى الأرواح المتعطشة للحرية، حين يتحول
الوقت في عيون الصغار إلى محيطٍ واسعٍ لا ينتهي، ونشيدٌ من الذكريات البريئة التي تملأ القلب
حنينًا. في أيار، يستفيق الزمن من سباته، ويُولد الصيف في قلوب الصغار قبل أن يُقرّه التقويم.
يطول النهار، ليمنح الطفولة وقتًا أوسع للحلم، للعب، ولصنع الذكريات والأحلام. في أيار، تقترب
العطلة المدرسية كحلمٍ ممتد لا نهاية له. فعطلة الصيف كانت تبدو طويلةً كعمرٍ كامل، إذ يسير
زمن الصغار ببطءٍ ساحر، حيث يمتلئ يومٌ واحد بأحداثٍ تنسج ألف حكاية، تظل محفورةً في الذاكرة
بلا نهاية.
جاء أيار، شهر السنابل والفريك، وبدء حصيد العدس الذي لا يحصد بالمناجل، بل يُخلع من جذوره
بأيدٍ ألفت العطاء قبل أن تعرف معنى التعب والشقاء. كنا نتسلل إلى الحقول المجاورة، لنسرق
الفرح، لنختلس نصيبنا من الحياة، لنعيش مغامرةً بين الشمس والريح والتراب،نساعد في
الحصاد نحمل الحزم الصغيرة بأيدٍ لم تعتد الدلال، نكوّم الغمار كمن يصنع الجبال من خير الارض .
وكان الكبار يخبرونا عن موعد نقل الغمار إلى البيدر بالترولي، فننتظر بشغفٍ اللحظة التي يتحول
فيها المجهود إلى احتفال.
نحاول أن نبحث عن بعض عروق العدس التي لا تزال خضراء لم تجف تماماً، لنجمع منها قدر ما
نستطيع حمله إلى البيوت. عند العصر، قبل أن يستسلم النهار للغروب، نجلس أمام البيوت
لنتحاور، فلا تلفاز يشدّ انتباهنا، ولا هاتف يسرق أوقاتنا، ولا آيباد يسحق خيالنا. نجلس في حيشان
الدور، لنتسلى، فلا شيبس يسمم أجسادنا، ولا سكر يغزو دماءنا، فقط ضمة من عروق العدس
الأخضر باليد اليسرى، واليد اليمنى تمتد نحو الضمة لتقطف ثمرة العدس . نلتقطها، نضعها بين
الأسنان، نمضغها كما لو أننا نتذوق الأرض نفسها، الأرض التي منحتنا هذا الفرح البسيط. نشعر
بطعم النور، بنكهة الشمس التي نضجت في داخلها.
وعندما يحين موعد نقل الغمار إلى البيدر، كان الترولي الأخضر أو الأزرق، يجره جرّار فولفو أحمر اللون،
أشبه بسفينةٍ تأخذنا إلى مغامرةٍ لا تُنسى. كنا نركض خلفه، نتسابق إلى الركوب، نتسلقه بحذر،
نتمايل مع اهتزازه فوق الأرض الوعرة، ننحصر في الزوايا، نتمسك بالجوانب، ونتعذب بلذة الاهتزاز
على الطريق الترابي. نرى الكبار مكفهرين، متعبين من وعورة الرحلة، ونتساءل: لماذا لا يرون ما نراه؟
لماذا لا يشعرون بنشوة هذه المغامرة؟ لماذا يرهقهم ما يدهشنا؟ ربما لأنهم حملوا على أكتافهم
ثقل الحياة، بينما نحن، صغارًا، كنا نحمل الفرح… الفرح الذي تحول مع الزمن والابتعاد عن الأرض إلى
ثقلٍ أكبر مما كانوا يحملون.
وعندما يبدأ الترولي بالامتلاء، كنا نقفز فوق القش، نرقص عليه كما يرقص الفراش على ربيع
الارض نتنقل من جهة الى اخرى ، نضغطه بأقدامنا الصغيرة، ليس فقط ليرضى الكباربتحميل ما
يمكن حمله بل لنزيد من وزن الترولي، فكلما زاد ثقله، خفّت وطأة اهتزازه في رحلتنا التي ستكون
اجمل نحو البيادر. ومع كل قفزة، كنا نصعد معه، حتى يصبح العلو مخيفًا، حتى نتشبث بالحبال التي
تُربط حول القش، نخشى السقوط ولكننا لا نتوقف عن ضحك ممزوج بخوف مكتوم . وفي النهاية،
تتحرك الترولي بنا، تهتز وتهتز، تحملنا معها إلى البيدر، فنفرغ حمولتها، ونعود من جديد لنكرر
المشهد، بينما تراقبنا عيون الكبار من بعيد… عيون تحمل أملًا بمحصول أرضٍ وخيرٍ مديد.
أما عند بدء حصيد القمح، فذاك بدء فرح ممزوج بعذاب بطيء ، لا يُسرع الخطى، بل يترك أثره في
الأيدي الصغيرة والوجوه المتعبة. مهمتنا تبدأ من إرسال الطعام للحصادين، نسير على الأقدام،
نقطع الدروب الترابية، تتشابك أقدامنا مع الأعشاب اليابسة، وتلفح الشمس رؤوسنا كأنها تختبر
صبرنا د. كانت سنابل القمح مهيبة، شامخة في انتظار القطاف، لكنها لم تكن لطيفة مع الأيدي
التي تجمعها، إذ تترك على الكفوف آثارًا من وخزٍ لا يُرى، والم ياتي بعد حين.
نرى الحصادين وقد غطّوا رؤوسهم بشماغاتٍ دائرية، كأنها تيجانٌ من قماشٍ تحميهم من وهج
السماء. وعندما يغزوهم الفسفس، يغرسون سنبلةً مغموسةً بالدبس في الشماغ، كأنهم
يساومون الطبيعة على هدنة، ويفاوضهم الفسفس: إما الدبس النظيف أو الهجوم العنيف.
أما ركوب الترولي المحمّل بسنابل القمح، فكان اختبارًا آخر، عذابًا مختلطًا بالدهشة. كانت القشور
الحادة تتسلل إلى جلودنا، تترك خطوطًا من جروح لا تُرى، ولكنها تُحس. كانت ملابسنا تمتلئ
بالسفير، وإن كنّا نرتدي البنطال القصير، فذلك حكمٌ بأن تعود أجسادنا ممهورةً بخطوطٍ دقيقة من
الدماء، وإحساسٍ ممزوجٍ بحرقةٍ تبدو كالألم.
نعود إلى البيوت، أجزاء من قش القمح عالقةٌ بين الملابس، بقايا دماءٍ نزّت من السيقان العارية.
نتخلص من الملابس التي تشبّعت برائحة الحقول، تمتد الأيدي الأمومية، تنزع عنا آثار المغامرة،
تزيل بقايا القش العالقة، وتسحبنا إلى طقس الاستحمام ذاته… وآه من تلك الطقوس في ذاك
الموسم! فحين يلامس الماء جلودنا، نشعر بوخزٍ خفي، كأن أجسادنا تكتشف الجروح التي لم تكن
مرئية. لكن الألم كان جزءًا من الطقوس، كأنه ضريبة الفرح اللذيذ التي ندفعها رغمًا عنا، ولكننا
نكررها من جديد، كأننا نسير في دائرةٍ أبدية من شقاءٍ دائرة علمتنا أن الخير لا يأتي بلا تعب، وأن
الفرح الحقيقي هو ذاك الذي يُولد بعد العناء. وان السعادة الحقيقية لا تُنال بسهولة، بل تنبت في
قلوب أنهكها التعب، فتكون كالمطر بعد جفاف طويل، وكالشمس بعد ليلٍ ثقيل.
رقصة فوق القش … رقصة فوق القش


