ماعينيات – 8-
كتب : م.خالد باز حدادين
“أقسى أنواع الظلام هو الذي نحمله في عقولنا، لا الذي يلفّ ليالينا.”
الليل في القرى يصنع الحكايات… عمقه متاهةٌ من خيالات، وفمه بلا نهايات. الليل في ماعين كائنٌ
حيٌّ يتنفس بين الأزقة، يتسلل عبر النوافذ المغلقة، يرسم تلالًا من ظلامٍ فوق العشب، ويصنع في
القلوب الصغيرة جبالًا من أوهام. الليل كان يغطينا بهدوءٍ رتيب، لا نشعر بقدومه المهيب، فأقدام
الليل دون وقع آثار، تتسلل كتسلل الضباب في بداية النهار.
كان الليل يغافلنا كلما جاء، ونحن أطفالٌ نلعب لعبة الاستخباء (الطماية)، أو نلعب جلولًا حتى
المساء، تلك الكرات الزجاجية الصغيرة المضيئة بألوان الضياء. نلعب في حاكورةٍ بجانب سور دير
اللاتين، من جهة البساتين. لم ننتبه كيف انسحب النهار بهدوء، ولم نشعر كيف تسلل الليل حتى
أحاط بنا كغولٍ يخرج من صفحات القصص التي حكتها الجدات. كان الخوف يسكننا بلا وعي، خوفٌ
من الضبع، من الشيب، من الغول، من أرواحٍ تخرج بالليل من المقابر… نخاف من المفاول، ذلك
الكائن الذي لا نعرف كيف وُلد في حكايات الكبار، لكنه كان قريبًا من ذاك المكان.
كان بالقرب منا مزرعةٌ تحوي أشجار صبرٍ، تفصلها عن ساحة اللعب سورٌ من أحجار ماعين العتيقة،
تلك الحجارة الصامتة التي لو نطقت لتحدثت بلغة أهل بعل ماعون، أو همست بأصوات رجالٍ عبروا
بها من روما وبيزنطة وغسان، ولتكلمت عن رجالٍ من ماعين عاشوا هنا بصدق، وبنوا، ورحلوا…
ولكننا لم نسمع كل هذا، بل كنا نسمع حفيف الريح في أوراق شجر الصبر خلف ذاك السور، وخيالنا
يملأ فراغات الصمت ومواقع الأفكار بالأساطير.
حين رفعنا رؤوسنا، كان هناك جيشٌ من مخلوقاتٍ عجيبة، رؤوسهم كبيرة، وعيونهم مطفأة،
وأذرعهم ممتدةٌ نحو السماء، كأنهم يحاولون القبض على الهلال الجديد الذي يتشكل ببطءٍ في
الأفق البعيد. كان منظرهم لوحةً مسكونة بالغموض… إنها أرواحٌ قديمة تسكن المكان، تتحرك مع
الظلال، تتنفس مع الريح، وتمدد يدها أحيانًا فوق سور الحجارة لتستريح، أو لتقفز نحونا… هكذا
تخيلنا نحن الاطفال أشجار الصبر في الظلام، في ضوءٍ خجولٍ من هلالٍ يولد ببطءٍ في تلك
اللحظة.
جاءت الصرخة المفاجئة من أحدنا، لم ننتبه من الذي قالها، لكن صوته ضرب أعصابنا كالرعد، جعلنا
نتجمد للحظة، قبل أن ندرك أننا لم نرَ بعد ما كان يشير إليه. أدار كلٌّ منا رأسه ببطءٍ مرعبٍ نحو حيث
أشار، فوجدنا أنفسنا أمام جيشٍ من الظلال خلف السور الحجري، كأنّ المفاولية تستعد لعبور
الجدار، ليأخذونا إلى الغول، أو إلى المجهول، أو إلى عالمٍ آخر صنعه وهم العقول.
لم نفكر… لم نحاول فهم ما رأينا… فقط أطلقتُ قدميّ في الهواء، ركضتُ، وركض الجميع معي، لا
نعلم ما الذي يطاردنا، لكننا متأكدون أننا مطاردون. قفزنا فوق الحجارة، تعثر بعضنا، تدحرج البعض
الآخر، ولكن لا أحد توقف. الركض كان الحياة، والوقوف كان الفناء.
حين وصلنا إلى مسافةٍ آمنة، والتقطنا أنفاسنا اللاهثة، انحنى كلٌّ منا إلى الأرض، والتقطنا حجارةً
باردة، قبضنا عليها بقبضاتٍ صغيرةٍ مشدودة، ثم بدأنا بالرجم. كنا نقذف الحجارة بكل قوتنا نحو
البستان، نحو الأشجار، نحو الظلام نفسه، كأننا نحاول أن نعيد المفاول إلى مكانه، أو أن نعيد نحن
إلى قلوبنا بعضًا من الهدوء. كل حجرٍ كان صرخةً في وجه المجهول، كل رميةٍ كانت استدعاءً
للشجاعة في قلوب أطفال القرى التي اعتادت المواجهة، وكل سقوطٍ للحجارة على الأرض كان
يُخبرنا أن الخوف يمكن أن يُرجم، مثلما تُرجم الأشباح والأرواح الشريرة في الحكايات القديمة.
لكن فجأة… ارتدت علينا الحجارة!
تساقطت بجانبنا، ضربت بعضها أقدامنا، كأن أحدًا هناك كان يردّ الهجوم، كأن الظلام لم يكن يريد
أن يُطرد، أو كأن هناك من لا يزال هناك، يرفض أن ننجو. لم ننتظر أكثر… تراجعنا بخطواتٍ سريعة،
ثم أطلقنا سيقاننا للريح مجددًا، هربًا من الهروب نفسه، حتى لم نعد نسمع سوى دقات قلوبنا،
وأنفاسنا التي حاولت عبثًا أن تواكب هذا الليل الذي لا ينتهي. عبثًا حاولنا طرد المفاول حتى بمشاركة
بعض الكبار، فالرجم العكسي كان يأتي باستمرار… فعدنا إلى بيوتنا نحمل بعض الانكسار، وشوقًا
للغد، للنهار.
وفي الصباح، حين عدنا إلى المكان، لم نجد شيئًا… لا وجود لأي فردٍ من جيش المفاول، لا شيءٌ سوى
أشجار الصبر، واقفةً بصمتها المعتاد. ولكن كان هناك شيءٌ مختلف… الحجارة، كانت كثيرةً على
الأرض، أكثر مما كانت بالأمس… وسمعنا أن الرجل الذي يسكن في بيتٍ في بستان الصبر قد
تعرض للرجم بالحجارة من عدة أطفالٍ من حارتنا الليلة الماضية، فردّ الهجوم هو بعض من كانوا
معه… لكنه سيزور حارتنا ليطلب من الأهالي دعوة الأطفال لعدم تكرار ما يتكرر دائمًا… وكأنّي
سمعت بعض الكبار يقولون بأنهم سيردون عليه:
“ليُبخِّر بستانه، ليخرج المفاولية من هناك!”
اليوم، حين أفكر في تلك الليلة، أدرك أنها لم تكن مجرد قصة أطفال، بل كانت مرآةً لأرواحنا. كبرنا،
لكننا ما زلنا نرجم الظلال… ما زلنا نخاف مما لا نراه، نهرب من أوهامٍ صنعناها بأيدينا، ونرجمها
بالحجارة علّنا نقنع أنفسنا أننا أقوى منها. مجتمعنا، مثلي في طفولتي، لا يزال يختبئ من الحقيقة
خلف أساطير المفاول، يتشبث بالخرافات، ويخشى أن يواجه الغموض بعقلٍ مفتوح
وأدركت أن الحكاية لم تنتهِ، وأن الأسطورة حين بدأت، لم نكن نحن من صنعها، بل هي التي اختارت
عقول طفولية لتعيش فينا، مثل تلك الأشجار، مثل ذلك السور، مثل كل الظلال التي تسكن ليل
القرى.
الظلام الذي يعمي العقول هو نفسه خيال أشجار الصبر في الليل، إذا تجرأت على النظر إليه بعينٍ
أخرى، قد تراه كما هو، مجرد أشجارٍ صامدة… ولكن إن خفت منه، ستجده جيشًا من الأشباح التي
تسكن كل خطوةٍ تخطوها.
وهكذا، تظل القصة تُحكى، وتتكرر كلما أتى الليل، وتُعاد في كل قلبٍ لم يجد بعد شجاعته ليُبصر
الحقيقة كما هي… مجرد ليلٍ آخر، بلا مخلوقاتٍ بيضاء، بلا غول، بلا مفاول… إلا إن اخترنا أن نُصدق
ذلك


