ماعينيات – 7 –
كتب : المهندس خالد باز حدادين
الأرضُ حين تتنفس، تمنح الحياة، وحين تشربُ تفيضُ كرمًا، وحين تبتلعُ بذورَ القمحِ، تنفثها سنابلَ
من ذهب، وحين تُخفي في جوفها بذورًا نامت طويلاً، توقظها في فجرِ الربيع اخضرارًا نابضًا بالحياة،
وكأنها تحنو عليها لتُعيدها إلى النور بعد سباتٍ طويل. ,,,الأرضُ حين تخفي الأجساد، ترسل شيئًا من
أرواحها إلى الأفق البعيد، وتستبقي شيئًا آخر لتشكّله من جديد، في زهرةٍ تتمايلُ في الريح، أو في
شجرةٍ تُمدُّ أغصانها نحو السماء، أو ظلٍّ يتماوج في ضوء المساء.
الأرض ليست ترابًا وصخورًا ورمال، بل روحٌ من كرمٍ وعطاءٍ وجمال. الأرض كما أنتَ وأنا، جُبلت من
ماءٍ وطين. الأرضُ أصلُ الحنين، فكيف لا نعشق تفاصيلها التي صاغتنا منذ سنين؟ وكيف لا أحنُّ
لأرضٍ إن كانت أرضَ ماعين؟
في شباط وآذار، ذاك الزمانُ ,,, تستفيقُ الأرض رويدًا رويدًا من غفوة الشتاء، ترفع رأسها نحو
السماء، تتزين ببريق الماء وتُغري السنابل بالخروج إلى النور…تبتسمُ الأرضُ للجميع، كبارًا
وصغارًا. الكبارُ ينظرون إلى بدايات اخضرار حقول القمح، يتهامسون في تجمعاتهم أمام الدكاكين
في الشارع الوحيد الممتد من شرق ماعين إلى غربها، حيث الأحاديث تُزرع بهدوء واحترام ، وحيث
الأمل يتناثر في عيون القوم بانسجام.
“زرع العويسيات كويس، بس ودها شتوة بنيسان… والله كريم.”
همسٌ يحملُ بين كلماته صلواتٍ غير منطوقة، أمّا تلك الأسماء التي تتردد على الألسن، فهي
ليست مجرّد أسماء، بل خرائط منقوشة في الذاكرة، لأراضٍ ارتبطت بالمكان والزمان: المشارف،
نايفات، أم زعيريرة، أبو الظهور، أبو هدبا، الهبجة، العوجاء…
لكل أرضٍ اسم، ولكل اسمٍ ذاكرةٌ تحتفظ بوقع الأقدام التي مشت فوقها. وبين الحكايات، ينزلق خبرٌ
يشبه الوعد:
“العكوب معبّي العوجا.”
ونسمعُ، ونحن أطفال، همس الكبار عن العكوب، أو كما نُسميه بلهجتنا “التشكعوب”. نسمعُ
أحدهم يقول بحماس:
“والله إني عبيت الشوال من التشكعوب!”
فنلتقطُ الخبر كما يلتقطُ الصيادُ بشارة البحر، ونبدأُ طقوسَ التحضير لرحلةٍ صباحيةٍ لجمع العكوب.
نعودُ إلى البيت، لا بحثًا عن ملابسٍ لرحلة الغد أو مؤنٍ تكفينا الطريق، بل بحثًا عن الأشياء التي
جعلتنا أقربَ إلى الأرض: السنجة، تلك الأداة التي تفهم لغة التراب، والتي تحوّلت عبر الزمن إلى
مفتاحٍ نفتح به أبواب الأرض ونستخرج كنوزها.
إنها أداة خلع العكوب من أرضٍ تتمسك به كما تتمسك بأجمل أشيائها، فلون أوراقه الشوكية
أخضر، يتوسطها خطٌّ أحمرُ يميلُ قليلًا إلى البنفسجي، ولكن الأرض لا تبخل على أبنائها، فتتخلى عن
أجمل الأشياء لهم.
نبحث عن السنجة في زوايا البيت العتيق، خلف الكواير، أو في قطوع الدار، وربما نجدها فوق
“النملية” ذات اللون الأخضر الموحد، والتي كانت جزءًا أساسيًا من كل بيت في القرية… فهي ليست
مجرد خزانة بل ثلاجة الزمن القديم، ومستودع المؤن، وموضع صحني الزيت والزعتر، وأحيانًا مخبأً
للدفاتر المدرسية في احدى جراراتها ,,,وفي الجرار الاخر بعض سكاكين ومعالق واشباه
مفكات,,,وفي رفها العلوي كاسات شاي من زجاج كانت تنتظر ضيفاً قادماً من عمان لتنزل من رفها
العاجي,,,اما كاسات البيت فهي مجموعة على طاولة في شبه مطبخ قرب لقن يستخدم للجلي.
وحين نجد السنجة، يا للفرحة!
نرفعها كما لو أننا وجدنا سيفًا خرج من أسطورةٍ قديمة.
يأتي بعد ذلك دور الكيس، ولم تكن في ذلك الزمن أكياس بلاستيكية، بل أكياسٌ ورقية، لذا نبحث عن
أكياس من أقمشةٍ قديمةٍ صنعتها الأمهات، فيها لون الشمس، ورائحة الخبز، وأثر يدٍ حملتها ذات
يوم، أو من ثوب (كبر) لاب، ذاك النسيج الذي تلفّت بعض أجزائه، فيُضاف إليه جزء من قماش
شوال سكر ليكتمل الكيس الجميل.
وتُحضّر الأمهاتُ زاد الرحلة: بيضةٌ مسلوقةٌ إن توفرت، خبز طابونٍ ، وبعض قطع الجبنة البيضاء.
نحمل أغراضنا صباحًا ونسير نحو النقاء… أمّا الماء، فلا حاجة لأن نحمله معنا، فالغدران ممتلئة،
وعندما نصل إليها، نركع على الأرض أو ننحني برؤوسنا نحو الماء، وكأننا نمارس طقوس صلاة،
ننفخُ على سطح ماء الغدير الصغير ونرتشف بشفاهنا ماءً جاء من السماء.
نسيرُ وعيوننا نحو الأرض، نبحث هنا وهناك عن حبات العكوب التي تنادي: “خذني”، وخلال البحث، نجد
نباتات الأرض التي نحن إليها، فنأكلها مع خبز الطابون: العطعوط، كرشة الخروف، قرص الراعي،
السعيسعة، العديس، القرصعنة…
أسماء لا سبيل لحصرها، لكنها كانت أطيب من سلطات المطاعم الفاخرة، ذات الأسماءٌ التي لا
نجرؤ على لفظها في المدن، ربما لصعوبتها، أو خجلًا من ذكر شيءٍ لم يكن مألوفًا في موائد ذاك
العصر.
حين يغادر النهار الحقول، ويبدأ الليلُ بتسلق الأشجار، نعود محملين بأكياسنا، بأنفاسنا اللاهثة،
بوجوهنا التي عانقتها الشمس، وبأيدينا التي نقشتها الأشواك. في العتمة، تسبقنا خطواتنا، لكن
حين نصل، نجد الأمهات بانتظارنا، في عيونهن رضا لا يُقال، ونظراتٌ كلها دعاء صامت.
لا يسألن كثيرًا، فالأمهات لا يحتجن إلى الكلمات، تكفي نظرة واحدة لتفهم أنك تعبت، وأنك أخذت
من الأرض بقدر ما أعطتك.
وعلى موقدٍ قديم، تسرع الأمهات لتحضير صحن الخبيزة، ذلك العشب الذي جمعته أخواتنا
الصغيرات من أطراف البيوت، فالفتيات لم يذهبن إلى العكوب، لكنهن أصررن أن يكون لهن نصيبٌ
من العطاء. يحملن سكاكين قديمة، وأكياسًا من ورق، ويركضن نحو الحقول الصغيرة، يجمعن
الخبيزة كما لو أنهن يجمعن لحظةً من الفرح، ثم يعدن بها إلى البيت، يحملنها إلى الأمهات، وفي
أعينهن نفس ذلك الشوق الذي كان في أعيننا حين حملنا العكوب.
وفي الليل، نجتمع حول الطعام، نأكل من خيرات الأرض، نلتهم تعب النهار، ونشعر، دون أن نقولها،
أننا كنّا جزءًا من شيءٍ أكبر، شيءٍ لا اسم له، لكنه يسكننا كما يسكن الحنين قلبي الآن وأنا أكتب.
وحين ننام، نعلم أننا سنستيقظ على يومٍ جديد، سنمشي فوق نفس الأرض، نفس التراب،
وسنلمس نفس السنابل، وسنبحث، مرةً أخرى، عن العكوب، وعن أنفسنا، في حضن الأرض ,,,,ارض
ماعين.


