كتب : عبد الفتاح الحايك
تمثل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والأردن نموذجًا معقدًا من العلاقات الثنائية، التي
تتراوح بين التعاون الاستراتيجي والضغوط السياسية والاقتصادية فـ الولايات المتحدة تعتبر الأردن
حليفًا رئيسيًا في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، في حين يسعى الأردن للحفاظ على استقلاله
السيادي وتوازنه الداخلي والخارجي لكن هذه العلاقة ليست دائمًا متوازنة؛ إذ تمارس الإدارة
الأمريكية في أوقات مختلفة، ضغوطًا على عمّان لتحقيق أهدافها الإقليمية والدولية
في الوقت الذي يُعد الاقتصاد الأردني إحدى نقاط الضعف الرئيسية التي تستغلها الإدارة الأمريكية
لتحقيق مكاسب سياسية. فالاقتصاد الأردني يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، وخاصة
من الولايات المتحدة، التي تقدم دعمًا ماليًا مباشرًا ومساعدات عسكرية في المقابل، تسعى
واشنطن لاستخدام هذه المساعدات كورقة ضغط لدفع الأردن لاتخاذ مواقف تتماشى مع
سياساتها في قضايا إقليمية مثل القضية الفلسطينية، والتطبيع مع إسرائيل، وإدارة الأزمات
الإقليمية كسوريا والعراق؛ هذه الضغوط تتجلى أحيانًا في التلميح إلى تقليص المساعدات أو
تأخيرها، وهي ورقة غالبًا ما تستخدمها الولايات المتحدة لفرض أجندتها السياسية ورغم هذه
الضغوط، يحاول الأردن بشكل مستمر الحفاظ على موقف متوازن يحفظ مصالحه الوطنية،
خصوصًا فيما يتعلق بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو
ملف حساس للغاية بالنسبة للنظام الأردني.
القضية الفلسطينية
إن القضية الفلسطينية نعد أحد أبرز ملفات الضغط الأمريكية على الأردن، فمنذ إعلان إدارة الرئيس
ترامب عن خطة “صفقة القرن”، وُضع الأردن أمام خيار صعب، رفض الصفقة يعني معارضة حليف
استراتيجي كواشنطن، لكن قبولها يعني تهديد الاستقرار الداخلي، خاصة أن الشعب الأردني يضم
نسبة كبيرة من الفلسطينيين الذين يرون في الصفقة تهميشًا لحقوقهم الوطنية.
أما الأردن، الذي يتمسك بحل الدولتين كحل وحيد للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وجد نفسه في
مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية آنذاك ورغم ذلك، استمر في الدفاع عن موقفه في المنابر
الدولية، مشددًا على أن أي حل للقضية الفلسطينية يجب أن يكون مقبولًا للشعب الفلسطيني
ويضمن إقامة دولة مستقلة
(التوازن بين الشراكة والاستقلال)
الأردن، كدولة صغيرة ذات موارد محدودة، يدرك أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة لدعم
استقراره وأمنه لكن هذه الشراكة غالبًا ما تأتي بتكلفة سياسية، ومع ذلك فإن القيادة الأردنية
تظهر مرونة وقدرة على المناورة السياسية للحفاظ على استقلالها السيادي هذا التوازن يتطلب
حنكة سياسية وفهمًا عميقًا للمعادلات الإقليمية والدولية
في المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية تحديًا في ممارسة الضغوط على الأردن دون المخاطرة بفقدان
شريك استراتيجي مهم في المنطقة. فالأردن يُعدّ ركيزة للاستقرار الإقليمي ومركزًا للتنسيق الأمني
والاستخباراتي، خاصة في الحرب على الإرهاب.
ان الفكر الإنساني في مواجهة الضغوط السياسة رغم تعقيداتها، لا تنفصل عن البعد الإنساني
فالضغوط الأمريكية على الأردن تكشف عن إشكالية أعمق في النظام الدولي الحالي، حيث تُعامل
الدول الصغيرة كأدوات لتنفيذ أجندات القوى الكبرى، دون اعتبار لحاجاتها الإنسانية أو تطلعات
شعوبها، الأردن بما يمثله من نموذج للتعايش والاستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات، يحتاج
إلى دعم حقيقي يمكّنه من تحقيق تنمية مستدامة، وليس إلى ضغوط تستنزف موارده وتضعف
قراره الوطني.
وفي الختام ان الضغوط الأمريكية على الأردن تكشف عن التحديات التي تواجه الدول الصغيرة في
محاولتها الحفاظ على استقلالها في عالم تحكمه القوة والمصالح. ومع ذلك، فإن صمود الأردن
أمام هذه الضغوط يعكس إرادة شعبه وقيادته في الدفاع عن هويته الوطنية ومصالحه السيادية.
يبقى الأمل في بناء نظام دولي أكثر إنسانية، يُعلي من قيم العدالة والتعاون، ويُتيح للدول الصغيرة
فرصًا حقيقية للنمو بعيدًا عن التلاعب والضغوط
التوازن السياسي والاستقلال السيادي … التوازن السياسي والاستقلال السيادي


