د. عبدالمهدي القطامين
حجر الأساس الذي وضعه جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم في العقبة و أخيه سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي لمشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان ينبغي أن نقرأه أبعد من حدود الحديد والقاطرات ومسارات النقل لإنه، في جوهره حجر أساس لعصر سككي أردني جديد طال انتظاره فالمشروع الذي تنفذه الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات باستثمار اردني اماراتي مشترك يقارب 2.5 مليار دولار ليس مجرد خط لنقل الفوسفات والبوتاس من مناطق الإنتاج إلى الميناء وإنما خطوة تأسيسية في بناء شبكة نقل وطنية يمكن أن تتوسع مستقبلا لتصل إلى مناطق المملكة المختلفة وتفتح المجال أمام ربط الأردن بشبكات النقل الإقليمية وهنا تكمن أهمية المشروع الحقيقية فوسائل النقل لم تعد مجرد خدمة لوجستية بل أصبحت جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي للدول وما شهدته السنوات الأخيرة من اضطرابات في طرق التجارة العالمية واختناقات في سلاسل الإمداد وتقلبات جيوسياسية جعل من امتلاك الدول لبدائل نقل آمنة وفاعلة ومستدامة مسألة تتجاوز الاقتصاد إلى صميم الأمن الوطني.
الأردن بحكم موقعه الجغرافي لا يستطيع أن يبقى خارج التحولات الكبرى التي يشهدها النقل العالمي فالخطوط الحديدية أصبحت في العديد من الاقتصادات الحديثة شرايين للتجارة والصناعة والموانئ والأردن يملك ميناء العقبة بوصفه منفذه البحري الوحيد، ويملك في المقابل ثروة تعدينية وصناعات تصديرية تحتاج إلى وسيلة نقل أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع الكميات الكبيرة ومن هنا جاءت السكة في توقيتها الصحيح فهي ستربط مناطق التعدين بالميناء وترفع كفاءة نقل الفوسفات والبوتاس وتخفف الاعتماد على الشاحنات الثقيلة وتعزز تنافسية الصادرات الأردنية .
المشروع يستهدف نقل نحو 16 مليون طن سنويا فيما تقدر الوفورات المتوقعة لشركتي الفوسفات والبوتاس بنحو 40 مليون دولار سنويا فضلا عن توفير نحو خمسة آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في جنوب المملكة.
وعلى الرغم من اهمية هذه الارقام القصوى لكنني أعتقد أن علينا ألا نتوقف عندها فقط لأن الحديث الحقيقي ينبغي ان يكون عن تغيير بنيوي في الاقتصاد الأردني فحين تصل السكة إلى العقبة فإنها لا تصل إلى الميناء فقط، وإنما تصل إلى كل ما يمكن أن ينشأ حول الميناء من صناعات وخدمات ومناطق لوجستية ومراكز تخزين ومناولة واستثمار وحين تمتد شمالا فإنها لا تحمل الفوسفات والبوتاس وحدهما وإنما تحمل معها فرصة لإعادة تشكيل خارطة التنمية في المحافظات التي تمر بها ولهذا فإن مشروع السكة اخذ بعين الاعتبار أن يكون نواة شبكة وطنية تمتد من العقبة باتجاه الماضونة ثم تنفتح مستقبلا على آفاق الربط الإقليمي مع دول الجوار الشقيقة وقد أشارت الحكومة سابقا إلى أن المشروع يمثل النواة الأولى لشبكة السكك الوطنية مع تصور للتوسع مستقبلا باتجاه الماضونة ثم سوريا وتركيا شمالا، والسعودية جنوبا.
العلاقات الأردنية الإماراتية ليست وليدة مشروع اليوم وإنما هي علاقات تراكمت فيها الثقة السياسية والاقتصادية والاستثمارية وما يميز مشروع السكة أنه يقدم نموذجا عمليا لهذه الشراكة حيث يقوم الاستثمار على أساس المناصفة بين الجانبين الأردني والإماراتي.
ولأن الحديث ذو شجون فأن الحديث عن السكة يقود بالضرورة إلى الحديث عن شركة مناجم الفوسفات الأردنية التي لم تتعامل مع المشروع بوصفه مشروع نقل فحسب وإنما بوصفه جزءا من معادلة التنافسية والاستدامة طويلة الأمد
لقد أثبتت إدارة الفوسفات بقيادة رئيس مجلس إدارتها الدكتور محمد الذنيبات، أنها تقرأ حركة العالم الاقتصادية قبل أن تصل ارتداداتها إلى السوق المحلية
فالفوسفات ليس مجرد مادة تُستخرج من الأرض وتُنقل إلى الميناء إنه مورد استراتيجي يدخل في صناعة الغذاء العالمي من خلال الأسمدة وسلاسل إمداده تتأثر بالأسواق والطاقة والنقل والأزمات السياسية والجيوسياسية ولذلك فإن بناء منظومة نقل مستقرة وذات كفاءة ليس ترفا إداريًدا وإنما هو جزء من التحوط الاستراتيجي لمستقبل الصناعة.
والإدارة التي تنظر إلى المستقبل بهذه الطريقة لا تنتظر الأزمة حتى تقع وإنما تبني أدوات مواجهتها قبل أن تأتي
وهذا، في تقديري أحد أهم وجوه مشروع السكة فهي ليست سكة للفوسفات وحده او البوتاس وحده ، وإنما سكة لفكرة الأمن الاقتصادي الأردني أمن الموارد وأمن التصدير وأمن سلاسل الإمداد، وأمن الموانئ،د وأمن القدرة على الوصول إلى الأسواق في عالم تتغير فيه خرائط التجارة بسرعة.
والأجمل أن المشروع يجمع في نقطة واحدة عدة مصالح وطنية الفوسفات والبوتاس، وميناء العقبة والاستثمار الإماراتي والخدمات اللوجستية وفرص العمل، والتنمية في الجنوب ثم شبكة السكك الوطنية التي يمكن أن تتسع مستقبلًا.
إنها معادلة لا ينبغي أن نقرأها كخط واحد من الحديد، بل كـشبكة من المصالح الاقتصادية التي تلتقي فوق هذه السكة .
اخيرا اجزم انه من هنا يمكن أن يبدأ المسار ومن هنا يمكن أن تتحول المملكة تدريجيا من دولة تعتمد على الطرق البرية في نقل جزء كبير من بضائعها الثقيلة وبضائع الدول المجاورة إلى دولة تمتلك منظومة نقل متعددة الوسائط تتكامل فيها الموانئ والسكك والطرق والمراكز اللوجستية.
وهذا هو المعنى الأعمق لحجر الأساس الذي شهدناه اليوم. فشكرا لكل من ساهم وخطط وسعى لكي يكون هذا اليوم المميز في بلادنا الطموحة .


