كتب – كابتن أسامة شقمان
ثمة ظاهرة سياسية وأخلاقية تستحق الوقوف عندها: أن يمضي الإنسان عقودًا في مناصب الدولة، ثم يغادرها فلا يقدم للناس خلاصة تجربة، ولا شهادةً على مرحلة، ولا اعترافًا بإنجاز أو إخفاق، بل يستعيد حضوره بحكايات ساخرة تمس الوطن الذي حمله ورفعه وقدّمه.
يمكن وصف هذه الحالة بـ«متلازمة المنصب الغائب»؛ فعندما تنطفئ أضواء الموقع، يحاول بعض المسؤولين تعويض غياب السلطة بضجيج العبارة، وكأن إثارة الناس أصبحت بديلًا عن تقديم الحقيقة.
مرةً نسمع أن «لا أحد يعرف الأردن»، ومرةً أن من رسم خريطته كان سكرانًا، ثم يأتي التصريح الأخير الذي يختزل صورة الأردن بالقول إن «حمّاماتهم كانت خارج البيوت».
ما الذي يُراد من مثل هذا الكلام؟
هل هو توثيق للتاريخ؟ أم نقد لتجربة سياسية؟ أم مراجعة لمسيرة طويلة في الحكم والإدارة؟ بالتأكيد لا. إنه اختزال وطن كامل في صورة اجتماعية قديمة، وتقديمها بلهجة ساخرة توحي بأن الأردن لم يكن سوى مكان متأخر ينتظر القادمين إليه.
وكم كنت أتمنى أن يفكر أصحاب هذه التصريحات قليلًا قبل إطلاق هذا الهراء. ليس لأن الأردن فوق النقد، بل لأن النقد مسؤولية، ولأن من شغل المناصب العليا لا يملك رفاهية الكلام العابث؛ فكلماته تُقرأ بوصفها شهادة رجل دولة، لا حديث مجلس عابر.
إذا كان مسؤول قضى سنوات طويلة في الوزارات والدواوين يقول إن الأردن غير معروف، فالسؤال المنطقي: كيف أدار ما لم يعرفه؟ وكيف خطط له؟ وكيف قبل أن يتحدث باسمه؟
الحقيقة أن الأردن لم يكن مجهولًا، لكن بعضهم لم يعرفه إلا من خلف زجاج السيارة الرسمية، ومن داخل المكاتب المغلقة. لم يعرفه في صبر الناس، ولا في تعب الجنود، ولا في كرامة القرى والبوادي والمخيمات، ولا في قدرة هذا البلد المحدود الموارد على احتضان الجميع.
لسنا نطلب من المسؤول السابق قصائد مديح، بل نطلب ذاكرة تليق بتجربته: ماذا أنجز؟ أين أخفق؟ لماذا تعثرت مشاريع؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
أما تحويل الوطن إلى طرفة، واختصار تاريخه بالحمّامات القديمة، فليس جرأةً ولا حكمة، بل عجز عن تقديم ما هو أعمق.
الكبار يتركون للأجيال وثائق وحكمة واعترافات شجاعة، لا عبارات ساخرة.
الأردن لا يصغر بكلامهم، لكن كلامهم يكشف مقدار ما صغر في داخلهم معنى الوفاء.
الأردن 24


