“من اليوم كل وزير بده يتدخل بوزارته، وبده يتدخل بكل موظف عنده، وبأدق التفاصيل وأصغرها، وكل موظف بده يكون مُساءَلًا من قبل الوزير”.
من حديث لدولة رئيس الوزراء جعفر حسان
كتب : م.خالد باز حدادين
وأقول، بكل محبة واحترام وصراحة:
نعم صديقي دولة الرئيس، يجب أن يتدخل الوزير، ولكن السؤال الأخطر ليس: هل يتدخل؟ بل: أين يتدخل؟ وكيف يتدخل؟ وفي أي مستوى يتدخل؟ وبأي معرفة يتدخل؟
فالوزير الذي لا يتدخل قد يصبح مجرد ضيف على وزارته، لكن الوزير الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة بلا معرفة عميقة بنظام العمل قد يصبح، من حيث لا يقصد، أكبر مصدر لتعطيل الوزارة. وهنا تكمن المشكلة.
فليس كل تدخل قيادة، وليس كل متابعة إدارة، وليس كل سؤال مساءلة، وليس وقوف الوزير فوق رأس موظف يتابع عمله دليلًا على أن الوزارة أصبحت أفضل.
قد يكون العكس تمامًا.
فأخطر ما يمكن أن يحدث لمؤسسة كبيرة هو أن يتحول رئيسها من قائد للنظام إلى مراقب للتفاصيل اليومية، ومن مسؤول عن النتائج الكبرى إلى متابع معاملات، وووو… هذه ليست إدارة دولة.
لو كان آدم سميث بيننا اليوم، ودخل إحدى وزاراتنا، لربما بدأ بسؤاله البسيط نفسه الذي انطلق منه في حديثه الشهير عن تقسيم العمل: مَن يفعل ماذا؟
ففكرة تقسيم العمل قامت أساسًا على أن الإنتاجية ترتفع عندما تُقسَّم الأعمال بوضوح، ويتخصص كل طرف في وظيفة محددة، وتترابط الوظائف ضمن عملية متكاملة، بدل أن يحاول كل فرد القيام بكل شيء. وهذه الفكرة أصبحت من الأسس الكبرى لفهم الإنتاجية والتنظيم الاقتصادي.
ولو دخل وزيرٌ وزارةً لا يعرف فيها الموظف أين تبدأ صلاحياته وأين تنتهي، ولا يعرف المدير ما الذي يستطيع أن يقرره دون الرجوع إلى الأعلى، ولا توجد فيها خرائط واضحة للعمليات، ولا زمن معياري للمعاملة، ولا مالك واضح للعملية، ولا مؤشرات أداء معلنة، ثم أصبح الوزير يريد التدخل في كل معاملة وكل موظف…… فهذا يهدم تقسيم العمل….. ثم نتساءل لماذا انخفضت الإنتاجية.
فالوزير ليس رئيس قسم. وليس مدير مديرية. وليس رئيس شعبة. وليس موظف استقبال شكاوى فردية. الوزير هو المسؤول السياسي والإداري الأعلى عن اتجاه الوزارة ونتائجها ونزاهة نظامها وكفاءة أدائها.
دولة الرئيس،
من تجربتي في العمل حوالي 24 سنة في وزارة الأشغال وأمانة عمّان (وعلى النقيض من تجربتي في عملي مع الإدارات في دبي)، أرى أن الإدارات لدينا تخلط بين أمرين مختلفين تمامًا: أن تكون قريبًا من العمل، وأن تقوم بعمل الآخرين. أن تعرف التفاصيل، وأن تدير كل تفصيل. أن تراقب الأداء، وأن تلغي السلم الإداري. أن تحاسب المدير، وأن تتجاوز المدير لتحاسب موظفيه واحدًا واحدًا.
الوزير الحقيقي يجب أن يعرف ما يحدث في وزارته، نعم، ولكن معرفته يجب أن تكون من خلال نظام مؤسسي للمعلومات والأداء والمساءلة، لا من خلال شبكة من الهواتف والمخبرين والمراجعين والشكاوى الفردية والانطباعات الشخصية.
في النظم الإدارية المتقدمة، يوجد تمييز واضح بين القيادة السياسية وبين الإدارة اليومية. ففي النموذج الكندي، على سبيل المثال، تقع الإدارة اليومية للوزارة ضمن مسؤولية المسؤول التنفيذي الأعلى المهني، بينما يحتفظ الوزير بمسؤوليته السياسية عن الاتجاه والأولويات والنتائج العامة. والفكرة ليست أن الوزير لا يعرف التفاصيل، بل أن معرفته بالتفاصيل يجب أن تساعده على تصحيح النظام، لا أن تجعله بديلًا عنه. لذا، إذا أردتَ للوزير أن يتدخل، عليك أن تختار وزراء يعرفون التفاصيل.
فإذا اكتشف الوزير مثلًا أن إنجاز رخصة معينة يحتاج ستين يومًا، فإن التدخل الصحيح ليس أن يتصل كل صباح ليسأل: أين معاملة فلان؟ بل أن يسأل: لماذا تحتاج العملية ستين يومًا أصلًا؟ وهل المشكلة في الموظف أم في الإجراء أم في القانون أم في التكنولوجيا أم في تداخل الصلاحيات؟
هنا يكون الوزير قائدًا.
دولة الرئيس، لا توجد مساءلة عادلة دون صلاحية واضحة، ولا توجد صلاحية واضحة دون إجراء واضح، ولا يوجد إجراء واضح دون هيكل عمل ومخطط عمليات مفهوم.
قبل أن نقول لكل موظف: ستُسأل أمام الوزير، علينا أن نسأل أولًا: هل مسؤولية هذا الموظف مكتوبة بدقة؟ هل يعرف ما القرار الذي يملكه أو الذي لا يملكه؟ هل يستطيع رفض تعليمات غير نظامية؟ هل لديه مدة زمنية محددة لإنجاز عمله؟ هل توجد معايير أداء قابلة للقياس؟ هل رأى أن هناك مَن تمّت محاسبته؟ وهل يملك الذي يحاسبه أصلًا الصلاحيات اللازمة؟ أم أننا سنحاسب الموظف عن نتيجة صنعتها خمس إدارات، وثلاث لجان، وسبعة تواقيع، وتعليمات متناقضة، ومسؤولون يتغيرون كل عام؟
في الإدارة الحديثة، وضوح حدود السلطة، وأدوار القرار، ومستويات الاستقلالية، وهيكل التقارير، ومواقع المسؤولية والمساءلة، أمور تُعامل باعتبارها مكونات أساسية لنظام الحوكمة والإدارة، وليست تفاصيل ثانوية.
وهنا أقول:
قبل أن نطالب الوزير بالتدخل في كل موظف، يجب أن نختاره ممَّن يعرف الوزارة كما تعمل حقيقةً، لا كما تظهر على الهيكل التنظيمي المعلّق على الجدار.
وللحديث بقية………. عن مستويات تدخل الوزير… كونه يجب أن يكون قائدًا لا رئيسًا.


