كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
لفترة طويلة كان هذا الرجل يتمتع بموهبة نادرة لا يمتلكها معظم البشر وهي القدرة على الظهور في أي مناسبة مهما كانت طبيعتها ومهما كان أصحابها ومهما كانت درجة معرفته بهم. لم يكن يحتاج إلى دعوة ولا إلى علاقة شخصية ولا حتى إلى سبب مقنع للحضور. كان يكفي أن يسمع بوجود تجمع أو احتفال أو لقاء حتى يظهر فيه وكأنه أحد المنظمين الرئيسيين.
كان يتنقل بين المناسبات بسرعة مذهلة. تراه اليوم في صورة مع أشخاص لا يعرف أسماءهم وغداً في مناسبة أخرى مع أشخاص لم يلتق بهم من قبل وبعد غد في حفل ثالث وكأنه فرد من العائلة. وكان القاسم المشترك الوحيد بين كل هذه المناسبات هو وجود الكاميرا.
في بعض الأحيان كان المشهد يثير الشفقة أكثر مما يثير الإعجاب. فالناس يلتقون بأصدقائهم وأقاربهم ومعارفهم أما هو فكان يأتي ليلتقط الصور مع أي شخص يقف في نطاق عدسة التصوير. وكأن الهدف لم يكن التعرف إلى الناس بل إقناع الناس بأنه يعرف الجميع.
حتى إن المرء كان يتساءل أحياناً: هل جاء الرجل للمناسبة أم أن المناسبة جاءت إليه؟ وهل يعرف أصحاب الدعوة أنه موجود أصلاً أم أنهم يكتشفون ذلك لاحقاً عندما يشاهدون الصور؟
لكن ما يدعو للتأمل أن هذا الحضور اللافت اختفى فجأة. ذلك الوجه الذي كان يظهر في كل تجمع وذلك الشخص الذي كان يتصرف وكأنه المدعو الدائم إلى جميع المناسبات أصبح اليوم غائباً بصورة تثير الدهشة. وكأن أبواب المناسبات أغلقت فجأة أو أن الناس اكتشفوا أخيراً أن الظهور في الصور لا يصنع علاقات وأن كثرة الحضور لا تعني أهمية الحاضر.
لقد كان يتصرف وكأنه شخصية لا يمكن لأي مناسبة أن تكتمل من دونها ثم أثبتت الأيام أن جميع تلك المناسبات استمرت بشكل طبيعي تماماً بعد اختفائه. فلا المناسبات توقفت ولا اللقاءات تعطلت ولا أحد بدا أنه شعر بفراغ كبير نتيجة غيابه.
وهكذا تحول الرجل الذي كان يتسلل إلى كل صورة تقريباً إلى ذكرى بعيدة من زمن كان فيه يعتقد أن الوجود أمام الكاميرا أهم من وجود سبب حقيقي يدعو الناس إلى تذكره.
للإنصاف لم يكن الجميع ينظر إلى هذا الرجل بالطريقة نفسها. فهناك فئة كانت تستقبله بحفاوة بالغة وتحرص على وجوده في كل مناسبة لا لأن له قيمة حقيقية أو إضافة تُذكر بل لأنهم وجدوا فيه انعكاساً لأنفسهم فكانوا ينافقونه لأنه يشبههم. كانوا يتفاخرون بصوره كما يتفاخر بعض الناس بالمظاهر الفارغة ويتعاملون مع حضوره وكأنه إنجاز بحد ذاته.
كانوا يتسابقون إلى التقاط الصور معه ويتبادلون عبارات المديح والإطراء حتى يخيل للناظر أن بينهم علاقة تاريخية عميقة بينما الحقيقة أن الرابط الوحيد بينهم هو حب الظهور والبحث عن الأضواء. فالنفاق يعشق النفاق والاستعراض ينجذب بطبيعته إلى الاستعراض.
أما الفئة الأخرى فقد رأت الأمر بشكل مختلف تماماً لأنهم ينتمون إلى مدرسة مختلفة تماماً في الحياة. كانوا يتساءلون بصمت: من دعاه؟ ولماذا هو هنا؟ وما الذي يجعله يتصرف وكأنه صاحب المناسبة أو ضيفها الأهم؟
لم يكونوا من هواة التزاحم أمام الكاميرات ولا من الباحثين عن الصور التذكارية مع أي عابر سبيل. كانوا يرون أن الكرامة الشخصية تمنع الإنسان من فرض نفسه على الآخرين أو اقتحام مساحاتهم الاجتماعية سعياً وراء الاعتراف أو الاهتمام.
الفارق بين الفريقين كان واضحاً. فالفريق الأول كان يرى في التملق مهارة اجتماعية وفي اللهاث خلف الأضواء نجاحاً وفي كثرة الصور دليلاً على الأهمية. أما الفريق الثاني فكان يرى أن الإنسان الذي يحترم نفسه لا يحتاج إلى التسول المعنوي بحثاً عن الاهتمام ولا يقيس قيمته بعدد المناسبات التي يحضرها أو عدد الأشخاص الذين يقفون بجانبه في صورة عابرة.
يبقى سؤال واحد يستحق أن يُطرح على هذا الرجل: هل اشتقت إلى الناس وإلى المناسبات التي كنت تحرص على حضورها؟ وهل اشتقت إلى الوقوف في الصفوف الأولى والتقاط الصور مع أشخاص قد لا تعرف أسماء نصفهم؟
و السؤال الأهم ربما ليس ما إذا كنت قد اشتقت إلى الناس بل ما إذا كان الناس قد اشتاقوا إليك؟. فهناك فرق كبير بين شخص يترك فراغاً عند غيابه وشخص يمر حضوره وغيابه بالدرجة نفسها من اللامبالاة.
هل سأل أحد عنك عندما اختفيت؟ هل افتقدك أصحاب المناسبات التي كنت تحرص على حضورها؟ هل شعر الناس بأن شيئاً ما ينقصهم بعد غيابك؟ أم أن الحياة استمرت كالمعتاد والمناسبات أقيمت كعادتها والصور التُقطت والناس التقوا وتصافحوا وضحكوا وحزنوا دون أن يلاحظ أحد أنك لم تكن هناك؟
ولهذا يبقى السؤال معلقاً: هل اشتقت إلى الناس؟ أم أنك اكتشفت أخيراً أن الناس لم يشتاقوا إليك بالقدر الذي كنت تتخيله؟


