كتب : الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
عبر التاريخ برزت شخصيات سياسية وقادة اتسمت ممارساتهم بصفات أثارت الكثير من الجدل والانتقاد. فبدلاً من التحلي بالحكمة وضبط النفس واحترام المؤسسات والقوانين اعتمد بعضهم أساليب تقوم على التسلط والاستعراض وإثارة الصراعات مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. وغالباً ما ترتبط هذه الشخصيات بسمات مثل النرجسية المفرطة والشعور بالعظمة والسعي الدائم إلى لفت الانتباه وضعف التعاطف مع الآخرين والاعتقاد الراسخ بصواب قراراتها وعدم تقبل النقد أو الرأي المخالف فضلاً عن الميل إلى استخدام لغة هجومية تتضمن الإهانة والتجريح والتقليل من شأن الآخرين.
لايوجد احد يتصف بهذه الصفات في زعماء العالم في عصرنا هذا اكثر من هذا الرئيس. فمن يقوم على تضخيم الذات وتقديمها باعتبارها محور الأحداث وصاحبة الحلول الوحيدة للمشكلات اكثرمن هذا الرئيس؟. ومن يعمل على مهاجمة الآخرين والتقليل من شأنهم كلما اختلفوا معه أو شككوا في قرارات؟. ومن يتسم خطابه في كثير من الأحيان بالحدة والإهانة الشخصية حيث يوجه عبارات جارحة أو مهينة إلى خصومه السياسيين بل وحتى إلى بعض حلفائه السابقين عند نشوب الخلافات؟.من ومن ومن ؟
من هنا يبرز التشابه بين سلوك هذا الرئيس وسلوك البلطجية أو زعماء العصابات. فـ البلطجي لا يعتمد على قوة الحجة بقدر ما يعتمد على استعراض القوة وإثارة الخوف في نفوس الآخرين. كما أنه ينظر إلى العلاقات من منظور الهيمنة والخضوع حيث يكافئ الموالين ويعاقب المعارضين. وزعيم العصابة او البلطجي شخص يسعى إلى فرض نفوذه من خلال الترهيب وإظهار القوة وتأكيد السيطرة المستمرة على محيطه. وهو غالباً لا يتسامح مع التحدي أو المعارضة ويعتبر أي اختلاف تهديداً مباشراً لسلطته فـ يبداء باستخدام اسلوب التجريح الشخصي. وهذه الصفات ليست أدوات للحوار الحضاري بل هي مؤشرات على ضعف القدرة على إدارة الخلاف بصورة ناضجة وبناءة. فالإنسان الواثق من نفسه ومن صحة موقفه لا يحتاج إلى إهانة الآخرين لإثبات صحة رأيه بل يعتمد على المنطق والحجة والاحترام المتبادل.
إن خطورة هذه الصفات لا تكمن فقط في وجودها لدى فرد عادي بل في وجودها لدى شخص يمتلك سلطة ونفوذاً واسعاً. فكلما اتسعت دائرة السلطة اتسعت آثار السلوك الشخصي على المجتمع والمؤسسات والعلاقات الدولية. ولذلك فأن القائد الحقيقي لا يُقاس بقدرته على إخافة الآخرين أو فرض إرادته عليهم بل بقدرته على كسب احترامهم وإدارة الخلافات بحكمة وتقديم المصلحة العامة على مصالحه الشخصية وهي صفات تميّز رجال الدولة عن البلطجية وزعماء العصابات.
في النهاية فإن الفرق بين رجل الدولة الحقيقي والبلطجي لا يكمن في حجم السلطة التي يمتلكها كل منهما بل في الطريقة التي يستخدم بها تلك السلطة. فرجل الدولة يسعى إلى كسب الاحترام أما البلطجي فيسعى إلى فرض الخوف. رجل الدولة يقنع أما البلطجي فيرهب. رجل الدولة يحتكم إلى القانون والمؤسسات أما البلطجي فيحتكم إلى القوة والولاء الشخصي. وعندما تطغى صفات البلطجة على سلوك صاحب السلطة يصبح المنصب الرفيع مجرد غطاء لسلوك لا يختلف في جوهره كثيراً عن سلوك زعيم عصابة أو بلطجي يمتلك أدوات أكبر ونفوذاً أوسع.


