أسامة أبو طالب يكتب.
مع كل مناسبة وطنية يتجدد النقاش ذاته: هل تستحق الاحتفالات الوطنية هذا الحجم من الاهتمام والإنفاق والظهور الجماهيري؟ وهل هي ضرورة وطنية تعزز الانتماء والهوية، أم أنها مجرد مظاهر احتفالية كان الأولى توجيه مواردها إلى أولويات أخرى؟
الحقيقة أن الإجابة ليست بسيطة، لأن النظرة إلى الاحتفالات الوطنية تختلف باختلاف المدرسة الفكرية والسياسية والاجتماعية التي ينطلق منها كل طرف.
فهناك مدرسة ترى أن الاحتفالات الوطنية ليست ترفاً ولا مناسبة عابرة، بل أداة من أدوات بناء الدولة وترسيخ الهوية الوطنية. فالأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده، بل تحتاج أيضاً إلى ذاكرة جماعية ورموز مشتركة وقصص نجاح تجمع أبناءها حول فكرة وطن واحد ومصير مشترك. ومن هذا المنطلق تصبح الأعياد الوطنية فرصة لتجديد الانتماء، واستحضار التضحيات التي قدمتها الأجيال السابقة، وتعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها.
في المقابل، هناك مدرسة أخرى تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، وترى أن قيمة الوطن لا تُقاس بحجم الاحتفال، بل بحجم الإنجاز المتحقق على أرض الواقع. وأن الأوطان القوية لا تحتاج إلى استعراض مستمر لرموزها بقدر حاجتها إلى تعليم أفضل، واقتصاد أقوى، وخدمات أكثر كفاءة، وفرص حياة كريمة لمواطنيها.
والحقيقة أن لكلتا المدرستين وجهاً من الصواب.
فالدول التي مرت بتجارب استعمار أو حروب أو تحديات وجودية غالباً ما تجد في المناسبات الوطنية وسيلة للحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه. بينما تميل الدول التي استقرت مؤسساتها عبر عقود طويلة إلى جعل هذه المناسبات أكثر هدوءاً ورمزية، لأن الشعور بالانتماء أصبح جزءاً من الحياة اليومية وليس مناسبة موسمية.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الاحتفال نفسه، بل في فلسفة الاحتفال.
فالاحتفال الذي يكتفي بالمظاهر ينتهي بانتهاء اليوم، أما الاحتفال الذي يرتبط بالإنجاز فيترك أثراً يمتد لسنوات. وعندما تتحول المناسبة الوطنية إلى فرصة للإعلان عن مشروع جديد، أو افتتاح مدرسة، أو إنجاز تنموي، أو قصة نجاح وطنية، فإنها تصبح احتفالاً بالمستقبل بقدر ما هي احتفال بالماضي.
فالفرح بالوطن حق، بل ضرورة أحياناً. والشعوب تحتاج إلى لحظات تستعيد فيها ثقتها بنفسها وتحتفي بمنجزاتها وتستذكر محطاتها المضيئة. لكن الأهم أن يكون هذا الفرح انعكاساً لما تحقق من تقدم حقيقي، لا بديلاً عنه.
الأوطان لا تعيش على الذكريات وحدها، كما أنها لا تُبنى بالأرقام وحدها. إنها تحتاج إلى الرمزية والإنجاز معاً؛ إلى علم يُرفع بفخر، وإلى مشروع ينهض بالمستقبل. وعندما يلتقي الانتماء بالعمل، والاحتفال بالإنجاز، تصبح المناسبة الوطنية أكثر من مجرد ذكرى سنوية، وتتحول إلى محطة متجددة لتأكيد أن الوطن يتقدم بالفعل، لا بالخطاب فقط. عضو غرفة تجارة العقبة
المناسبات الوطنية والهوية الوطنية … المناسبات الوطنية والهوية الوطنية


