كتب الدكتور محمد الحناقطة الحميدات
لقد ترددت كثيرًا قبل أن أكتب في هذا الموضوع إدراكًا لحساسيته ورغبةً في تجنب الخوض فيما قد يُفهم على غير وجهه. لكن حين يتجاوز الأمر حدوده وتُمسّ الحقيقة بشكل واضح يصبح الصمت نوعًا من التفريط لا يمكن القبول به. لم يكن السكوت ضعفًا بل كان اختيارًا لافساح المجال للعقل أن ينتصرعلى الضجيج. فالكثيرون وأنا منهم آثر ألا يتدخل إيمانًا بأن الحقيقة قادرة على الدفاع عن نفسها وأن الظلم مهما طال لن يدوم. لذلك لم يعد من خيار سوى قول الحقيقة كما هي دون مبالغة أو تحريف ووضع الأمور في نصابها الصحيح. فالكلمة الصادقة وإن جاءت متأخرة تظل أصدق من صمتٍ يطيل أمد التشويه ويمنح الباطل مساحة أكبر للانتشار.
تتعرض الجامعة الاردنية منذ فترة ليست بالقصيرة لحملة تشويه ممنهجة تسعى للنيل من سمعتها والتقليل من إنجازاتها. ولم تأتِ هذه المحاولة من فراغ بل تزامنت مع تصاعد نجاحها الملفت للنظر ما جعلها هدفًا لمن لم يستطيعوا مجاراتها أو الوصول إلى ما حققته.وقد اعتمدت هذه الحملة على بث معلومات غير دقيقة وترويج روايات مشوهة في محاولة لزرع الشك لدى المتابعين وإضعاف الثقة بما تقدمه . إلا أن هذه الأساليب على كثافتها لا تغيّر من حقيقة راسخة وهي أن النجاح الحقيقي لا يُمحى بالتشويه ولا يتراجع أمام الضجيج. واللافت في هذه الحملة أن من يقف خلفها يفتقر إلى أدنى درجات الشجاعة فلا يملك الجرأة على الإفصاح عن اسمه الحقيقي أو تحمّل مسؤولية ما يروّج له. يختبئ خلف أسماء وهمية أو حسابات مجهولة وكأنه يدرك في قرارة نفسه او نفسها هشاشة ما يطرحه وضعف حجته.فمن يملك الحقيقة لا يخشى الظهور ومن يستند إلى دليل لا يتوارى خلف الظلال. أما الاختباء فليس إلا اعترافًا ضمنيًا بأن ما يُقال لا يحتمل المواجهة وأنه أقرب إلى التشويه منه إلى النقد.
ففي زمنٍ تُصنع فيه الأكاذيب بإتقان تصبح الحقيقة هدفًا مباشرًا لحملات التشويه الممنهجة. لا لأن فيها ضعفًا بل لأن فيها من القوة ما يُقلق من اعتادوا بناء نفوذهم على الزيف. فالحقيقة بطبيعتها لا تُساوم ولا تُجامل ولهذا يسعى البعض إلى تلويثها وتحريفها وتقديمها في صورة مشوهة تخدم مصالحهم الشخصية الضيقة. إن أخطر ما في التشويه ليس الكذب ذاته بل تكراره حتى يبدو مألوفًا ومحاولة إحاطته بهالة من المصداقية الزائفة. وهنا يظهر دور من يؤمنون بالحق ليس فقط في كشف الزيف بل في إعادة الاعتبار للحقيقة والدفاع عنها بثبات مهما كان الثمن. فالصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا بل انحياز غير مباشر للباطل.
ليس كل هجومٍ على الناجحين نقدًا مشروعًا بل كثيرًا ما يكون انعكاسًا لفشل وعجزٍ داخلي لا يجد طريقًا للخروج إلا عبر تشويه ما هو ناجح. فبين الحين والآخر يطل علينا برأسة او راسها من لا يملك إنجازًا يُذكر فيسعى إلى تقويض إنجازات الآخرين لا لشيء إلا لأنه فاشل ولم يستطع أن يكون مثلهم. فيحاول زرع الشك وتضخيم الهفوات واختلاق العيوب والاساءة الى الاخرين وكأنه يظن أن إسقاط الآخرين سيمنحة ارتفاعًا وهميًا. يلجأ إلى الكذب الصريح وإلى ترويج معلومات غير دقيقة في محاولة بائسة لتشويه كل ما هو ناجح ومُشرّف. لا يتورع عن تحريف الحقائق ولا يتردد في اقتطاع الكلام من سياقه فقط ليصنع صورة زائفة تخدم عجزه. الأخطر من ذلك أنه يفعل كل هذا بلا رادع من ضمير ولا خشية من الله وكأن الحقيقة في نظره مجرد مادة قابلة للتلاعب لا قيمة لها إلا بقدر ما تخدم أهواءه فيغدو التشويه عنده منهجًا والكذب وسيلة والتضليل أداة يومية.
ورغم كل ما تتعرض له هذه المؤسسة الوطنية العريقة الا انها ماضية في عملها بثبات مستندة إلى سجلها من الإنجازات وثقة من يعرفون قيمتها. فالحملات العارضة قد تثير الجدل لكنها لا تصنع حقيقة ولا تهدم ما بُني على أساس متين. فالكذب مهما تكرر لا يتحول إلى حقيقة وأن ما يُبنى على الزيف لا يصمد طويلًا. فالحقيقة وإن تأخرت تفرض نفسها وتكشف كل من حاول العبث بها دون حاجة إلى صراخ أو ادعاء. وفي النهاية يبقى النجاح شاهدًا على نفسه مهما حاول البعض تلويث صورته. لأن ما بُني على الجهد الحقيقي لا تهدمه كلمات عابرة وما أُقيم على أساس متين لا تُسقطه محاولات العاجزين الفاشلين.


