الطليعة نيوز – خاص
استغلال الكلمة لقتل الحقيقة
لطالما اعتُبرت الصحافة “السلطة الرابعة”، العين الساهرة على الحقيقة وضمير المجتمع. ولكن، كأي سلطة، يمكن أن تُستغل وتُحرّف عن مسارها النبيل. ومن أخطر صور هذا الانحراف ما يُعرف بـ “الابتزاز الصحفي والإعلامي”، وهي ممارسة خبيثة تحوّل أدوات الكشف والمساءلة إلى وسائل للضغط والمساومة من أجل تحقيق مكاسب شخصية أو مادية غير مشروعة.
مفهوم الابتزاز والآلية الخفية
يُعرف الابتزاز الإعلامي بأنه استغلال النفوذ الإعلامي أو امتلاك معلومات حساسة عن فرد أو مؤسسة، والتهديد بنشرها أو تسليط الضوء عليها بطريقة سلبية ومُضخّمة، ما لم يتم تقديم مقابل مادي أو تنازلات معينة. لا يقتصر الأمر على “صحفي” فرد، بل قد يشمل مؤسسات إعلامية كاملة تحوّل رسالتها إلى أداة ضغط على شخصيات عامة، مستثمرين، أو مسؤولين.
تعتمد آلية الابتزاز على الموازنة بين “سر” يخشى الضحية من كشفه وبين التكلفة المترتبة على دفع “الثمن”. هنا، تختفي الحدود الفاصلة بين الصحافة الاستقصائية المشروعة التي تسعى لخدمة المصلحة العامة، وبين الابتزاز الذي يسعى لخدمة المصالح الخاصة للجهة المبتزّة. الفارق الجوهري يكمن في النية: الصحفي النزيه يسعى للإصلاح والمحاسبة عبر النشر العلني، بينما المبتز يهدد بالنشر لإبقاء الأمر سراً مقابل المال.
ضحايا الممارسة وتأثيرها المدمر
يُلحق الابتزاز الإعلامي أضراراً جسيمة لا تقتصر على الضحية فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع بأكمله.
- تدمير السمعة والخسائر المادية: غالبًا ما يتركز الابتزاز على رجال الأعمال والشركات، حيث يهدد بتشويه صورتهم أو الكشف عن معلومات قد تضر أسهمهم أو عقودهم، مما يدفعهم لدفع مبالغ طائلة لتجنب الخسائر.
- خنق الحقيقة: أخطر ما في الأمر هو تدمير مصداقية الإعلام كله. عندما يدرك الجمهور أن بعض المواد المنشورة هي نتيجة صفقة أو دفع أموال، يفقد الثقة في الصحافة الاستقصائية ككل، مما يجعل الفصل بين الخبر الحقيقي والخبر المُلفق أمراً صعباً.
- إفساد المناخ السياسي: في السياق السياسي، يمكن استخدام الابتزاز كأداة لتصفية الحسابات أو إقصاء الخصوم، ما يشوه العملية الديمقراطية ويدعم الفاسدين الذين يملكون القدرة على الدفع مقابل صمت الإعلام.
الدعوة لصحوة أخلاقية وقانونية
لمكافحة الابتزاز الإعلامي، يجب تضافر الجهود على مستويات عدة:
- المستوى المهني والأخلاقي: يجب على نقابات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الرصينة تفعيل المواثيق الأخلاقية بشكل صارم، ورفض أي شكل من أشكال المساومة على حساب النزاهة. لا يمكن فصل أخلاقيات المهنة عن ممارستها؛ فالصحفي الحقيقي يلتزم بالنزاهة والشفافية.
- المستوى القانوني والرقابي: تحتاج الدول إلى سن وتطبيق قوانين رادعة تُجرّم بوضوح ممارسة الابتزاز الإعلامي، وتوفر حماية قانونية للضحايا الراغبين في الإبلاغ. كما يجب تعزيز دور الهيئات الرقابية المستقلة لضمان التزام وسائل الإعلام بالمعايير المهنية.
- المستوى المجتمعي: يجب على الجمهور أن يكون أكثر وعياً وفطنة في تمييز المحتوى الصحفي النزيه عن المحتوى الذي يبدو مدفوعاً بنوايا غير سليمة، والمطالبة بإعلام مسؤول وخاضع للمساءلة.
إن الابتزاز الإعلامي هو خيانة للرسالة الصحفية السامية. فالصحافة ليست تجارة في الأسرار، بل هي مسؤولية تجاه الحقيقة. ومستقبل الإعلام النزيه مرهون بقدرة العاملين فيه على تطهير صفوفهم من هذه الآفة.


