كتب : أحمد جرادات
لِمَنْ أُقدِّم استقالتي!! !
(ولِمن لا يَهمُّه الأمر، هذا ليس سؤالاً استفهاميًا، بل سؤال استنكاري).
خلفيَّة
منذ اليوم الأول لعقد “المؤتمر التوحيدي” للحزب الشيوعي الأردني في 12 أيار/مايو عام 2023 بتوافقات حزبية بين أطراف الشيوعيين المتباعدة والمتباغضة والمتوجِّسة، بعضهم مُقْبل بدافع الحنين الرومنسي إلى استعادة الحزب التاريخي، وبعضهم الآخر متربِّص بدافع تلبية الشرط الأساسي لترخيص الحزب بموجب قانون الأحزاب السياسية التقييدي، وهو تَوفُّر ألف عضو مؤسس، ويخطط لاختطافه وترويضه بعد الحصول على الترخيص مع الاحتفاظ بالاسم والشكل طريقًا خبيثًا لتفريغه من الجوهر، ومنهم من يهدف إلى تغيير اسم الحزب والتخلي عن الماركسية اللينينية نظريةً ثورية للحزب، ومنهم من هبَط “بالبراشوت” قائدًا “مكلَّفًا” لا يُشق له غبار. وقد كُلِّفتُ برئاسة المؤتمر، وتولَّيتُ إدارته مُلتزمًا بتلك التوافقات ومؤتَمنًا على تنفيذها بحذافيرها، وكنتُ بذلك الشاهد العَيان على آماله المعقودة ومآلاته البائسة؛ منذ ذلك اليوم بدأتْ مجموعة عُصبوية في قيادة الحزب- سأصِفها من هنا فلاحقًا بـ “الطُغمة الانقلابية الليبرالية/الطُغمة”- بالتخطيط والتدبير والعمل المستهدف لِحياكة انقلاب ليبرالي على الحزب وبرنامجه الوطني ونظامه الأساسي وأمينه العام الرفيق سعود قبيلات الذي تم اختياره في المؤتمر. وعلى مدى السسنتيْن الماضيتيْن ما فتئتْ هذه الطُغمة، على نحو مُمنهج، تعمل على إغراق الحزب في المؤامرات والدسائس، وتكبيله بالارتباطات والولاءات المتعددة والمتعدِّية، فضلاً عن ارتباط البعض بمصادر التمويل الأجنبي، من قبيل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية “يو إس أيد”، وشلِّه بالممارسات والسلوكات المُشينة والغريبة على تاريخ الحزب، من بينها استخدام “فُتوَّات” لترهيب الرفاق والرفيقات الذين يعارضونهم في المواقف السياسية والفكرية والتنظيمية، وقد جرَّبوا “مهاراتهم” بالاعتداء على رئاسة المؤتمر أمام عيون المؤتمِرين أجمعين.
وبعد أن أدَّت مواقف وممارسات الطغمة الانقلابية إلى خَلْق مُعضلة مستعصية وحالة ميؤوس منها داخل الحزب الشيوعي الأردني، حيث حوَّلتْ الحزب العريق إلى دكان سياسي مُفلس، وشكَّلت داخله، وبدلاً منه، كيانًا هزيلاً “يلعب” في ملعب مُفصَّل على مقاسها، وتحت سقف “على قدِّ” هامتها، وحتى بلا جُمهور على مدرَّجاته؛
– ورفضًا للانقلاب الليبرالي البغيض الذي نُفِّذ بتساوق تام مع مُقتضيات مرحلة الانحطاط التاريخية الراهنة التي تمر ُّبها شعوبنا ومنطقتنا؛
– واقتناعًا من جانبهم باستعصاء الأزمة البنيوية التي تعصف بالحزب والتي خلَقَتْها تلك الطغمة الانقلابية، وبالتالي استحالة التغيير، أو حتى الإصلاح؛
– لم يَعدْ أمام عدد من المناضلين الشيوعيين من قادة الحزب وكوادره وأعضائه سوى إعلان استقالاتهم من الحزب، منهم مَن قدَّمها فعلاً ومنهم من يستمْهلْ، يحدوهم أملٌ سَرابٌ في الإصلاح، “ما أضيقَ العيش لولا فُسحة الأملِ” (مؤيد الدين الطغرائي).
نَصُّ الاستقالة
الديباجة
بِنشوة الحنين الرومنسي الثوري، أو ربما “متلازمة” النوستالجيا، لكن بعميق الحزن والألم والفجيعة، أطوفُ في ذاكرتي، فأرى حزبنا العتيق العظيم وهو ينوء تحت نِير هذه الطُغمة الانقلابية الليبرالية التي اختطفتْه، وأرى رفاقيَ من المعادن العتيقة الثمينة، الراحلون منهم أو الباقون على قيد الحياة، وهم يقارعون هذ الطغمة التي تصنع مخلوقًا هجينًا، وزومبي ميِّتًا يمشي، وكيانًا رثًّا لا يُشبههم ولا يُشبهونه. وليعلم الجميع أنَّ هذا المخلوق/الكيان الهجين الذي تقوم الطغمة الانقلابية الليبرالية بتصنيعه على صورتها لا يَمُتُّ بأية صِلة إلى:
– الأرض التي قام المناضلون الشيوعيون بفلاحتها بأسنانهم وأظافرهم، وهو ليسَ فرعًا أو غُصنًا من الشجرة الخضراء التي غرَسها الشيوعيون وسقوها بتضحياتهم من أجل وطنهم وشعبهم، بل غابة حَطبٍ يابس لا نَسغَ في عروقها ولا تَصلُح إلا لتلْقيم مَواقد حطَّابين لا أرواحَ في أجسادهم..
– ولا إلى الطريق الذي سارَتْ عليه خُطاهم بثَبات، والهواء النقيِّ الذي تنفَّسوه، والنبع الصافي الذي شربوا من مائه، والبيت الدافئ الذي تركوا إرثهم إلى عائلاتهم في جَنَباته..
– ولا إلى مكتبة التاريخ التي أودعوا فيها كتابهم الذي سطَّروه بعقولهم وقلوبهم، واللحن الثوري الذي صدَحوا به لأجيال الشباب القادمة، والشعار الجميل الذي رفعوه في سماء وطنهم: “وطنٌ حُر وشعبٌ سعيد” ونالوا بسببه القيود والشقاء باختيارهم الواعي..
– ولا إلى الهدف النبيل الذي عاشوا من أجل تحقيقه وسَفحوا في سبيله عذاباتهم تحت أرفع عنوان: “الاشتراكية أو الهمجية”، والنشيد الأمميّ الذي طالما ردَّدوه في فضاء الإنسانية جمعاء، ومنظومة القِيَم الراقية والمُثل العُليا التي آمنوا بها، ومِصباح الضميرِ النقي الذي هدَى مسيرتهم الطويلة الشاقَّة..
– وليسَ في قاموس هذا المخلوق/الكيان بابٌ لمانيفستو ماركس وإنجلز مُذيَّلاً بالنداء العظيم: “يا عمال العالم اتَّحدوا”، فقد حَلَّتْ محلَّه عندهم رَطانةُ فوكوياما وهنتنغتون النيوليبرالية “نهاية التاريخ والإنسان الأخير وصدام الحضارات وموت الماركسية اللينينية”، وإن تشدَّقوا بخلاف ذلك..
– بل ما هوَ إلا مخلوق هجين، وكيان رثّ، وزومبي ميِّت يمشي، يُدمِّر كل شيء في طريقه، يتشبَّثُ بغريزة البقاء وهو يتحلَّل ويتفسَّخ، لا يُشبهني ولا أُشبهه، لا يُمثِّلني ولا أُمثِّله، وليس له من اسمه أدنى نَصيب.
إنني إذْ أدعم خطوة الرفاق الذين قدَّموا استقالاتهم، وأتفهَّم الرفاق الآخرين الذين يعلٍّلون النفس بآمال التغيير أو حتى الإصلاح وأخشى عليهم من صدمة الشعور بخيبة الأمل، أتساءلُ مستنكرًا: لِمن أُقدِّم استقالتي، فردًا كان أم جماعةً أم عصابة؟ ألِطُغمة الانقلاب الليبرالي التي هدَمتْ الصرح المَهيب الذي شيَّدتْه أجيال من الشيوعيين الأردنيين بتضحياتهم وعذابات عائلاتهم على مدى ما يربو على سبعين عامًا؟ أم لِزُمرةٍ لا علاقة لها بقضايا الشعب والوطن، لا أعترفُ بها ولا أحترمُها؟ إنني لا أجدُ في هذه الطغمة مَن يستحق تقديم استقالتي له لأنها غاليةٌ على قلبي، أغلى من أن أُقدِّمها لهم. ولن ألجأَ إلى بِدعة “النأي بالنفس”، ولا أقبل الاكتواء بجمر انعدام التصالح مع الذات مرَّتيْن، من السُلطة والطُغمة، مرَّةً كمأساة ومرَّةً كملْهاة.
الإعلان
ولذا،
فإنني أتوجَّه إلى جماهير شعبنا الأردني، التي قَضيتُ جُلَّ حياتي في النضال من أجلها وباسمها- حتى لو كان ذلك حُبَّا من طرف واحد- مُرتحلاً بين السجون ومراكز الاعتقال والاختفاء القسري، ومُعرَّضًا لأشكال التنكيل، ومعزولاً من الوظيفة وممنوعًا من العمل والسفر طوال حقبة الأحكام العرفية المكارثية، لأُعلنَ لها أنني أُغادرُ هذه الطُغمة الانقلابية الليبرالية المهيمنة على الحزب الشيوعي الأردني، وأُدينُها وأُحمِّلُها المسؤولية التاريخية عن التدمير الممنهَج لهذا الحزب المَجيد، وأنني أُفارقُها ما بَقِيَتْ جاثمةً على صدره، وأقول لها بأوْجزِ الكلام وأبْلَغِه:
” لَكُم دِينُكم وليَ دِين..”
وإلى أن تَزولَ هذه الغُمَّة ويَنقشعَ هذا الليلُ البَهيم، ويتحرَّر الحزب من ربقة هذه الطغمة ويستعيد مجده،
اعْلَموا أنَّ التاريخ لا يأبَهُ باللحظات العابرة ولا يُقيمُ وزنًا للعابرين.
10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025


