كتب – د. عبدالله العساف
ما جرى في معرض عمّان الدولي للكتاب لم يكن تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل فضيحة مكتملة الأركان: قرار بمنع عرض وبيع كتابي “ثورة البلقاء ومشروع الدولة الماجدية” من على رفوف دار النشر التي تتولى توزيعه داخل المعرض. لم تُصادر النسخ، لكن وُضعت تحت حظر غير معلن، وكأن السلطة تقول صراحة: “هذا الكتاب محرّم على القارئ”.
هذا المنع لا يقل خطورة عن المصادرة، بل هو وجه آخر لها. إنّه وصاية سافرة على العقول، ورسالة صريحة بأن كل فكر يخرج عن الرواية الرسمية سيُعاقب بالمنع والتغييب. المعرض، الذي يُفترض أن يكون عيدًا للكلمة وفضاءً للتعددية، تحوّل بقرار المنع إلى منصة للرقابة الأمنية، يُملى فيها على دور النشر ما يجوز عرضه وما يُحظر.
ولستُ غريبًا عن هذا المشهد. ففي ديسمبر 2015، حين جرى التحضير لإشهار الطبعة الأولى من كتابي في مجمع النقابات المهنية، أُغلقت القاعات في وجوهنا فجأة، رغم الدعوات المنشورة والإعلانات الرسمية. احتشد الناس أمام الأبواب، ليُمنعوا من حضور فعالية ثقافية علنية، والكتاب ذاته كان المستهدف. واليوم يتكرر المشهد: الأبواب تُغلق مرة أخرى، ولكن بطريقة مختلفة؛ عبر حرمانه من الرفوف ومن اللقاء الطبيعي مع القارئ.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الاستهداف لم يكن للكتاب وحده، بل لي شخصيًا، ولمساري الفكري والبحثي. ويكفي أن أُستبعد من التعيين في الجامعات الحكومية، فقط لأنني أكتب التاريخ بصدق، لا بخطابٍ مُملى ولا رواية جاهزة، حتى يكتمل المشهد: حصار فكري ومهني وسياسي متعمد.
لكنني أقولها بوضوح وبصوت عالٍ: الكتاب الذي يُمنع اليوم من رفوف المعرض سيُقرأ غدًا أكثر، وسينتشر أوسع. المنع ليس قوة، بل اعتراف بالهزيمة أمام الفكرة. والرقابة ليست حماية، بل خوف من وعي الناس. لن يُخرس صوتي قرار إداري، ولن تطفئ كلمتي تعليمات أمنية. فالكلمة أبقى من الجدران، وأوسع من كل حواجز المنع، والوعي لا يُختزل في رفّ مغلق أو معرض مُسيَّج بالرقابة.


