د. عبدالله الطوالبة
كأننا نتابع مقاطع من مسرحية سوريالية، أردنية الإعداد والإخراج. أبطالها أحياء يُرزقون بيننا أمد
الله بأعمارهم، ليتحفونا بالمزيد ربما. رئيس وزراء أسبق، هو الدكتور عبدالله النسور يفجر قنبلة ما
تزال أصداؤها تتردد، مفادها باختصار وللتذكير، أنه مُنع من الترشح في “انتخابات” 2007، تحت طائلة
“الترسيب”، كما أبلغه مدير مخابرات أسبق هو محمد الذهبي . ولن يستعصي على القارئ الطّلعة
التقاط سبب وضعنا كلمة انتخابات بين هلالين.
ظن المشاهدون أن الأمور توقفت عند هذا الحد، لكنهم بوغتوا بمشهد آخر لا يقل إثارة. خرج على
الناس عبر وسائل التواصل الإجتماعي وزير أسبق، هو الدكتور بسام العموش، ليضع المشاهدين
بتفاصيل اتصال هاتفي أجراه معه الدكتور عبدالله النسور سنة 1997، وكان نائبًا لرئيس الوزراء
وقتذاك. طلب إليه النسور أن يترشح في “الإنتخابات النيابية”، لكنه رفض لأسباب ذكرها، ولم يكن
راغبًا بالترشح، حسبما قال. أمام إصرار النسور، أراد العموش قطع الطريق عليه بالقول إنه لا
يملك المال اللازم لخوض الانتخابات. فكان رد النسور بالحرف، كما قال العموش وأشْهَدَ الله على
قوله:”المال والنتيجة علينا”. ويتساءل العموش: هل سيدفع النسور المال من جيبه؟! وكيف يضمن
النتيجة؟!
ولم يفُت العموش أن يخاطب المتابعين بنبرة تشي بأن دخوله على الخط مطلوب بحد ذاته
قائلًا:”أترك الأمر لكم لتتفحصوا ولتقارنوا بين ما قال عن نفسه وما قاله لي”.
انتهى الاقتباس، لكن سؤالًا يفرض نفسه بإلحاح بخصوص كلام العموش:”لماذا صمت أو سكت
طيلة 28 سنة على ما سمعنا منه؟!
تساءلنا: لماذا صمت أو سكت، وفي ظننا أن كل من يتوفر على قَدر لا بأس به من التضلع في لغة
الضاد يعرف الفرق بين الصمت والسكوت.
والآن نأتي إلى مدلولات ما سمعنا، وهو الأهم، ونحصرها في ثلاثة ونترك الباقي لذكاء القارئ
وفطنته.
أولًا: ما سمعنا ينهض دليلًا إضافيًّا على أن انتخاباتنا النيابية مزورة بشهادة شهود من أهله، وأن
نتائجها لا تقررها صناديق الإقتراع وإنما تُهندس في غُرف مغلقة.
ثانيًا: نستحضر تساؤل الدكتور بسام العموش: هل سيدفع النسور من جيبه؟!.
هذا التساؤل يفتح لنا بابًا يخفي أحد مسارب هدر المال العام، في بلد يعيش على جيب المواطن
والمساعدات الأجنبية. فهل من وصف لذلك غير التعبير المتداول كثيرًا في ديرتنا الأردنية، ولا أظننا
بحاجة إلى التذكير به؟!
ثالثًا: نستخلص من مشهد مسرح اللامعقول الأردني بصبغته السوريالية، أن النفعية هي المحدد
الرئيس للعلاقة بين المسؤولين الرسميين على مختلف مستوياتهم والسيستم. الدليل، ثمة
“مماسك” على من يشغل موقع مسؤولية، لن يتأخر اشهارها إذا صدر عنه “كلام مش عال” بعد
مغادرته.
على فكرة، لو حصل ما نحن بصدده في بلد شعبه حُر له دور في تقرير مصيره ولو بنسبة 17%، بلد
قوانين ومؤسسات بما لا يزيد عن 30%، لقامت الدنيا ولن تقعد إلا بتحقيق شامل بمنتهى
الشفافية يضع النقاط على الحروف مهما كانت النتائج، ولكن…!
ونضع تحت ولكن مئة خط.


