الطليعة نيوز
ما إن تطأ قدمك الحي العتيق في مأدبا، حتى تعبق في الأجواء رائحة القمح المطحون، تُصاحبها
أصوات “بابور الطحين – بابور الصناع” الشاهق، لتنقلك إلى زمن كان فيه هذا البابور محجة للفلاحين ومَعلماً حيوياً
في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
هذا البابور، الذي تأسس عام 1939، يعد اليوم الشاهد الأخير على تراث طحن الحبوب في المحافظة
التي عُرفت لقرون بـ “سلة خبز الأردن”، مستمراً في تقديم خدماته لأهالي مأدبا والقرى المحيطة بها
كالقصبة الوحيدة التي صمدت أمام تحولات الزمن.
ذاكرة حية وروح اجتماعية
لا تقتصر أهمية “البابور” على كونه أداة لطحن الغلال وتتويجاً لموسم حصاد شاق، بل كان منصة
للتواصل الاجتماعي وتبادل الأحاديث. كما تروي السيدة أم أحمد (80 عاماً) ذكرياتها مع عملية
التنظيف والغربلة التي تسبق الطحن، وأحياناً تكرارها للحصول على طحين أنعم.
ويؤكد الحاج أبو فهد (70 عاماً) على هذه الروح الاجتماعية، قائلاً: “كان البابور يوفر لقاءنا بأبناء
المنطقة، حيث كنا نتبادل الحديث عن الموسم الزراعي والأحداث الجارية”، مشيراً إلى أنه ما زال
يحرص على الطحن هنا لتذكره بأجداده ولجودة الطحين البلدي الغني بالعناصر الغذائية.
من قوة الماء إلى دورة الحياة الحديثة
عمل البابور في بدايته على قوة المياه، قبل أن يتحول ليعمل على “الديزل”، فيما تطورت وسائل نقل
الزبائن من الدواب إلى السيارات، وكذلك طريقة الدفع التي كانت تُسْتَوْفَى قديماً عيناً من نفس
الطحين (“الرَّد”)، بينما أصبحت اليوم نقداً أو عيناً حسب رغبة الزبون.
هندسة تراثية فريدة
يتميز البابور ببنائه الحجري القديم وبابه الشاهق الذي يتجاوز ارتفاعه ثلاثة أمتار. وتكمن هندسته في
“المِحْقَن” المعدني المرتفع، وطاحونتيْه الضخمتين من حجر البازلت، والتي تدار بواسطة أقشطة
مرتبطة بمحرك، ليطحن القمح ويخرج دقيقاً جاهزاً للتعبئة.
وكانت عملية الطحن تخضع لإشراف “المعلم” و”القعيدة” (المسؤول الإداري) الذي كان يتولى
مهمة استقبال وكيل القمح، وتحديد أجرة الطحن، والإشراف على العملية برمتها حتى مساعدة
الزبائن في تحميل أكياسهم على الدواب.
صمود في وجه الزمن
على الرغم من تقلص عدد زبائنه، يؤكد العاملون في البابور عزمهم على الاستمرار طالما
يستطيعون، فهو ليس مجرد مصدر رزق فحسب، بل هو جزء أصيل من هوية المدينة وذاكرتها
الجمعية، وشاهد حي على تاريخ من الخير الوفير والكفاح الإنساني في “مأدبا” التي لا تزال تحمل
معنى اسمها: “الأرض الخصبة”.


