موفق محادين
شهدت سنوات العقدين الأول والثاني من الألفية الجديدة حالات من المد والجزر في العلاقة الأردنية- الأميركية ومع الكيان أيضاً، ارتبطت بمقاربات جديدة داخل واشنطن و”تل أبيب” تسعى لإنهاء القضية الفلسطينية عبر الأردن.على مدار نصف قرن من العلاقات الأميركية – الأردنية، شهدت هذه العلاقات بين الحين والحين توترات سياسية ناجمة عن الحسابات الصهيونية وارتباطها في كل مرة إما بأزمات مرتبطة بالصراع العربي – الصهيوني، وإما بتنامي التصورات الصهيونية العدوانية في سياق إزاحة وتصفية القضية الفلسطينية خارج فلسطين، أو في سياق الأحلام التوسعية المريضة.وكلما اعتقد البعض أن العلاقات الأميركية – الأردنية في طورها الأخير، برزت مستجدات سياسية أعادت هذه العلاقات إلى معطياتها شبه الثابتة، لكنها مستجدات حملت معها في كل مرة مزيداً من التكيف الرسمي الأردني، وإعادة هيكلة الدولة في إيقاعات تدريجية تحضيرية غير محمودة العواقب من الزاوية الموضوعية والسياسية، ومنها تخلي الدولة عن قاعدتها الاجتماعية ممثلة بالطبقة الوسطى من العاملين في المؤسسات الاقتصادية والإدارية والعسكرية.وهو ما ينسجم عموماً مع التصورات العامة للإقليم برمته كشرق أوسط إبراهيمي متصهين، وخصوصاً مع تصفية القضية الفلسطينية في إطار توطين سكاني لا سياسي يهمش الأردنيين والفلسطينيين معاً كمحيط تابع للمركز (الإسرائيلي).
مقدمة بالأرقام
بعد إعلان المملكة ثم الاتحاد مع الضفة الغربية الفلسطينية، حظي الأردن باهتمام أميركي أولي ومساعدات اقتصادية بلغت 5 مليون دولار خلال الفترة بين 1949 و1952، زادت خلال الفترة 1952-1955 إلى 28 مليون دولار في إطار (مكافحة الشيوعية) وسنلحظ من الأرقام الآتية كما وردت في جدول بياني نشرته جريدة “الرأي” الرسمية بتاريخ 2/5/2005 أن المساعدات الأميركية – الاقتصادية والعسكرية ارتبطت على الدوام بأزمات الشرق الأوسط والصراع الأميركي مع الاتحاد السوفياتي وحركات التحرر، ولا سيما خلال صعود الناصرية:- خلال الصراع بين السفارة الأميركية والحكومة الوطنية الأردنية برئاسة سليمان النابلسي المقرب من عبد الناصر، 1957 انخفضت المساعدات الاقتصادية إلى 22 مليون دولار وعادت إلى الارتفاع لتبلغ 63 مليون دولار بعد إطاحة الحكومة الوطنية، والتي تزامنت أيضاً مع مبدأ أيزنهاور.- خلال معركة واشنطن مع الوحدة المصرية – السورية برئاسة عبد الناصر (1958 -1961)، ارتفعت المساعدات الأميركية إلى 71 مليون دولار، بعضها مساعدات عسكرية (لأول مرة) مع الانتباه إلى دور أردني في اليمن 1962.- بعد حزيران/يونيو 1967، وخلال الفترة التي سبقت أيلول/سبتمبر 1970 وازدياد نشاط الحركة الوطنية الأردنية والمقاومة الفلسطينية، انخفضت المساعدات الأميركية إلى 19 مليون دولار لتعاود الارتفاع إلى 76 مليون 1971، ولكن مع نسبة كبيرة للمساعدات العسكرية بلغت 60%.وقد تراوحت القراءات السياسية للمرحلة التي سبقت أيلول/سبتمبر بين الخوف الأميركي من سقوط الحكم في عمان، وبين قراءات ذهبت إلى استعداد واشنطن لقبول هذا السقوط والتفاهم مع القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بياسر عرفات، وذلك وفق مذكرات ضابط المخابرات الأميركية (جاك أوكونيل) التي صدرت عن دار “الأهلية” للنشر تحت عنوان “مستشار الملك”.- خلال فترة الرئيس كارتر والسنوات الأولى للرئيس ريغان، شهدت العلاقات الأردنية- الأميركية اضطرابات بين الصعود والنزول، في ضوء المخاوف الرسمية من الانضمام إلى أجواء السادات ومفاوضاته السرية ثم العلنية مع الكيان الصهيوني (1977 -1980)، وانعكس ذلك في صعود ونزول المساعدات 210 مليون دولار معظمها عسكرية 1979 مقابل 54 مليون دولار 1981 معظمها عسكرية.في تحوّل أميركي، زادت المساعدات الأميركية إلى الأردن عام 1985 إلى 191 مليون دولار نصفها عسكرية، وقد يعود هذا التحوّل إلى أكثر من عامل منها:- مناخات الاتفاق الذي لم يستمر بين الملك حسين وياسر عرفات لإحياء مشروع الكونفدرالية.- انخراط الأردن في الحرب العراقية – الإيرانية إلى جانب العراق.- دعم الأردن مبادرة الأمير فهد حول التسوية.- انخراط الأردن في الأزمة السورية التي أخذت طابعاً مسلحاً بعد تسلل آلاف المسلحين من الإخوان وغيرهم بالتزامن مع العدوان الصهيوني على لبنان وضرب الجيش السوري في البقاع، وذلك على خلفية تصريح للرئيس السوري حافظ الأسد بأن دمشق لن تسمح بتعميم كامب ديفيد.
خلال الفترة بين 1987- 1989 التي شهدت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وسقوط اتفاق شباط/فبراير بين الملك وعرفات، ثم اندلاع الهبّة الشعبية في الأردن 1989، انخفضت المساعدات الأميركية بشكل غير مسبوق إلى 27 مليون دولار.- في أجواء تفكك الاتحاد السوفياتي ومباحثات مدريد لتمرير المبادرات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، عادت المساعدات الأميركية إلى مستوياتها وبلغت 114 دولاراً عام 1990. وارتفعت وتيرتها أكثر بعد أوسلو ووادي عربة إلى 164 مليون دولار 1998.بعد مرحلة من المد والجزر خلال العقد الأول من الألفية الجديدة وتبني واشنطن قراءات مؤتمر هرتزليا لإعادة هيكلية الدولة في الأردن والاستيعاب النهائي للحالة الفلسطينية (فترة بوش الابن)، شهدت العلاقات الأردنية – الأميركية في عهد أوباما (2009 -2017) وبايدن (2021 -2025) تطوراً ملموساً عبر أكثر من مذكرة تفاهم ومساعدات تراوح معدلها السنوي بين مليار ومليار ونصف دولار، بل إن عهد ترامب الأول شهد مذكرة تفاهم أخرى ومساعدات بلغت 800 مليون دولار على الصعيد الاقتصادي و450 مليون مساعدات عسكرية.
المحطات الأساسية في تاريخ العلاقات الأميركية – الأردنية
بحسب ماري ولسون في كتابها “عبد الله وشرق الأردن“، رفضت واشنطن الاعتراف بضم الضفة الغربية، ولم تمانع أي استراتيجية إسرائيلية كان يقودها بن غوريون لتحويل الضفتين إلى دولة فلسطينية، وظلت تتعامل مع الأردن كحلقة رخوة، فأيّدت تحالفاً هاشمياً بزعامة العراق، عام 1951 (مجلة المجلة 13/7/1984).


