بتنظيم من بيت الشعر- المفرق
عمان – إبراهيم السواعير
افتتح وزير الثقافة مصطفى الرواشدة في جامعة الزيتونة الأردنية صباح أمس ملتقى نقد الشعر الرابع 2024 الذي أقامه بيت الشعر- المفرق بالتعاون مع كليّة الآداب بالجامعة، وحمل عنوان «الشعر العربي المعاصر في عالم متغير».
وحضر حفل افتتاح الملتقى، الذي جاء هذا العام بمناسبة اليوم اليوم العالمي للغة العربية، كلٌّ من رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمد المجالي، ومدير بيت الشعر- المفرق فيصل السرحان، ونائب رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور طارق القرم، وعميد كلية الآداب الدكتور موسى الزغول، إضافة إلى عمداء الكليات وأعضاء الهيئات التدريسية والإدارية، وعددٍ من الباحثين والمشاركين.
وعبّر وزير الثقافة عن سعادته بحضوره هذا الحدث الثقافي المتميز، مؤكداً على دور الجامعات في تعزيز الثقافة من خلال البرامج والمبادرات التي تنفذها الوزارة، مؤكّدًا اهتمام الوزارة بتعزيز الشراكات مع المؤسسات التعليمية والثقافية كحواضن للإبداع والنشاط الثقافي لتطوير الهوية الثقافية الوطنية الأردنية. كما أثنى على الجهود التي يبذلها بيت الشعر في المفرق، والتي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي الأردني، مشيدًا بمبادرة بيوت الشعر التي أطلقها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، ?التي تعتبر من أهم المحطات الثقافية في العالم العربي.
وفي بداية الملتقى، رحب رئيس الجامعة بالحضور، مؤكدًا الأهمية العلمية للملتقى، وسعي الجامعة الدائم لتقديم كل ما هو جديد يثري المعرفة ويشجع على التميز والإبداع. وأوضح المجالي أنّ عقد مثل هذه اللقاءات يعزز رسالة الجامعة في الارتقاء بالبحث العلمي والمشهد الثقافي الأكاديمي. كما شدد على أهمية محاور الملتقى التي تجمع بين الحداثة والاستشراف، في ظل الظروف الحالية التي تتطلب التفكير العميق والابتعاد عن التقليد.
من جهته، أكد مدير بيت الشعر- المفرق على أهمية الاحتفال باللغة العربية، التي تمثل معقلاً حصينًا لهوية الأمة، مشيرًا إلى أنّ بيت الشعر في المفرق، الذي تأسس عام 2015، يُسهم بشكل كبير في إثراء المشهد الثقافي الأردني من خلال تنظيم فعاليات شعرية وثقافية. وأكد السرحان على الشراكة المستمرة مع وزارة الثقافة والمؤسسات التعليمية والثقافية الأخرى لتعزيز دور الشعر العربي المعاصر.
وذكرت منسقة الملتقى الدكتورة إيمان عبد الهادي التي أدارت فعاليات الحفل، أنّ الملتقى الذي يستمر مدة يومين، يتناول موضوعات تتعلق بالشعر العربي المعاصر في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم، مثل «الموت في النظرية»، «النظام العالمي الجديد»، وتأثيرات الأوبئة والحروب، فضلاً عن تأثيرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الشعر والمجتمع.
وانتظمت أولى جلسات الملتقى بعنوان «الشعر العربي المعاصر في ظلّ: الموت في النظرية»، وهي الجلسة التي أدارتها الدكتورة خلود العموش، وتحدث فيها الأستاذ الدكتور بسام قطوس حول موضوع «موت النظرية–حياة الكلّ النقدي، وفيها ناقش مصير النظرية كموضوع جدلي إشكالي، متناولًا مواضيع: الموسوعة الإجرائية، وأسس تناوُل النظرية معرفيًّا، متسائلًا عن موت التصورات أو سفرها وهجرتها وترتيبات ولادة النظرية وموتها من واقع آراء نقدية. كما تحدث قطوس عن تنحية فلسفة العقل والاختلاف والتصنيف النقدي، دارسًا أفلاطون وآرسطو، والقول بأنّ بين?الولادة والموت تقع الحياة، وأنّ كل مولود مرشح للموت. وناقش الدكتور قطوس معنى أنّ الموت لا يعني الفناء المطلق، وقراءة النص الأدبي على صعيد التنظير والإجراء، باعتبار الإجراء مختبرًا حقيقيًّا لنجاح النظرية. كما ناقش التفسيرات والقراءات الأيديولوجية، والابتعاد عن السياق، وموت الأدب الذي لا يعني موت الكتابة الإبداعية. وتحدثدكتور قطوس عن نماذج نقدية مشهورة، خالصًا إلى أنّ النظرية النقدية هي طاقة لا يمكن قتلها وإنما تحويلها من شكل إلى آخر، كما لا توجد نظرية واحدة تستطيع استيعاب الأدب كله، فالنظرية بذلك لا تموت في?يائيًّا.
وفي ورقته المعنونة بـ «أثر موت المؤلف في قراءة النص الشعري، تحدث الدكتور ناصر شبانة عن موت المؤلف، وموضوع إغلاق النص عن التأويل والجغرافيا، والظروف التي تلوي عنق هذه النصوص، داعيًا إلى التركيز على النص لا على الشاعر. وتناول شبانة موضوع اتساع مدارك القارئ أو المتلقي، متحدثًا عن القارئ التابع والقارئ العمدة في هذا المجال. وقال إنّ القارئ كان قبل موت الشاعر يقرأ النص، بما تجود به قريحة الشاعر ليظلّ تحت سلطته ولا يتجاوز ذلك؛ باعتبار الشاعر يقيم في النص رقيبًا على القارئ، فنكون أمام «العنت» القرائي في قراءة مقص?د الشاعر، فلا يجوز قراءة دلالات لم يقصدها، والويل لقارئ يخرج على هذه الحدود. وقال شبانه إنه لما مات الشاعر لم يعد القارئ رهنًا لوجوده الوهمي، فبات يقرأ ما يقوله الشاعر، وبات النص الشعري أكثر اتساعًا دون أن يعيق حركته أحد، فالعبرة بذلك بما يقوله النص لا بما يقوله الشاعر، إذ يكتشف القارئ خفايا هذا النص وأسراره، فنكون أمام تمرد النص في نهاية المطاف. وتحدث الدكتور شبانه عن تضليل الناقد بقراءة نبذة عن الشاعر وجوّ النص، في حين أنّ الشخصية الشعرية في النص هي التي تتحمل مسؤولية الأفعال المنسوبة إليها.
واختتمت الجلسة الأولى بمشاركة للدكتور سامي عبابنة بورقة «السمو والتضاد في علاقة الشاعر العربي الحديث بأسلافه الشعراء»، مناقشًا كيف أنّ الشاعر اللاحق بدا يرى أنّ الشاعر السابق وصل إلى مرحلة الموت أو الضمور بالمعنى الأدبي، أو يريد تشكيل الأدب بعد هذا الإفلاس. وساق الدكتور عبابنة موضوع الأب البيولوجي والأب الشعري، وموضوع التوتر البلاغي، وقال إنّ هناك ارتدادات للنقد الأدبي الشعري بالنظر إلى الموهبة الفردية والتقاليد، إذ لا يحب الشاعر أن يخضع للتقاليد أمام موهبته. وساق عبابنة سينية «صنت نفسي» لأحمد شوقي التي عا?ض بها الشاعر البحتري، ووقع تحت تأثير التقاليد الشعرية، موضحًا أنّ أحمد شوقي في بداية القصيدة بدأ بالحديث عن صون النفس وقام بتأخير موضوع الطلل، وقدّم الاهتمام بإيوان كسرى، فسعى لأن يخلق حالة من التسامي. وتمثّل الدكتور عبابنة أيضًا بحضور المكان «مصر» مصححًا انحراف البحتري، وذاهبًا إلى إعلاء شأن الأمويين، فقد كان الشاعر السابق يعلي من شأن الفرس.
وفي الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور سالم الدهام، وحملت عنوان «الشعر العربي المعاصر في ظل النظام العالمي الجديد»، تحدث الدكتور رائد عكاشة حول موضوع «إشكالية المثاقفة العربية والوعي السائد»، متناولًا المثاقفة كمصطلح مراوغ لا يوجد له تعريف جامع ولكن يؤخذ من خلال السياقات والتبادل بيننا وبين الآخر. وتحدث عكاشة عن موضوع المثاقفة التعاقبية والتزامنية، والحضارة العربية الإسلامية التي تأخذ وتهضم وتتجاوز وتنتج، مناقشًا موضوع الوصول إلى جهاز مفاهيمي للحضارة العربية الإسلامية. وساق الدكتور عكاشة آراء ونظريات لأرسل?ن والأفغاني وسلامة موسى ولويس عوض ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، مناقشًا موضوع الإصلاح الفكري والنقدي، ذاهبًا إلى النظريات الفلسفية وإنتاجها في فلسفة نظرة الإنسان للخلق والخالق والمخلوق. كما تحدث عن عملية التنوير والنهضة والإحياء والتقليد للغرب، وإسقاط ما أخذناه على النظام المعرفي لدينا دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات التي تميّزنا. وأكد عكاشة على أهمية الوعي بالمثاقفة ودراسة السياق الفلسفي وتجليات ومواضيع القطيعة والعقل والأنسنة، مناقشًا حالة الشاعر أدونيس كمنظّر وموضوع الممارسة والتطبيق من واقع مؤلفاته.
كما تحدث عن أنسي الحاج، ومرحلة الحضارة العربية الإسلامية، وتحدث أيضًا عن أركون وكتاباته، ذاهبًا إلى مناقشة أن يكون الإنسان مركز الكون فينتج المعرفة والأخلاق والقيم أمام تعدد القيم بشكل هائل. وتحدث عن طه حسين، ذاهبًا إلى أنّ النظريات الغربية هي محلية وليست عالمية، كما تناول موضوع التفكيكية «التقويضية»، ومقصود البنيوية، قارئًا آراء إدوارد سعيد في النظرية المعرفية.
وناقش الدكتور معاذ الزعبي في ورقته تحولات الخطاب الشعري بعد الربيع العربي، متناولًا الحديث عن وظيفة الشعر والشاعر، ومرافقة هذا الجنس الأدبي لحالات الأمة وتغيراتها، متسائلًا عن معنى الربيع العربي، لقراءة دور الشعر ما بعد هذه المرحلة، والشعراء الذين يجيدون قبل المرحلة ويجيدون بعدها، والانزياح في الرؤية نتيجة تغيّر الفكر. وساق الدكتور الزعبي تصنيفات الشعراء في أيام الثورات كمساندين لها، وشعراء عبّروا عن اتجاههم السياسي، وشعراء أحسوا بالألم بصورة مجردة عن البطولة والدين، نحو كرامة الإنسان. وتمثل الزعبي بقصائد ?اكبت المراحل، وشعراء دعوا إلى الحريات، مثل الشاعر المصري حسن طلب، باعتبار الشعر هو الأسرع في التعبير عن مثل هذه المواقف. كما تحدث عن صمت شعراء قبل أن تستجد على أفكارهم الطوارئ، وناقش موضوع أدب التفاعل السياسي، وأدب التوثيق، وأدب ما بعد الثورات.
الورقة الأخيرة في الجلسة الثانية كانت للدكتورة نسرين شرادقة، وحملت عنوان «أسئلة الشعر في زمن العولمة»، وفيها تناولت موضوع العولمة كنظام عالمي جديد له أدواته ووسائله وعناصره وميكانيزماته، يخترق العالم عبر العديد من وسائل الاتصال الحديثة، كوسائل ليست مجرد تقنيات بريئة بالكامل بالأدوات لنظام عالمي «لم يعد جديدًا»، وتسعى لقولبة أذواق الأفراد ومشاعرهم وفكرهم وسلوكهم وفق أهداف العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية، بهدف تغيير مظاهر الحياة و”تشيئ» كل مفرداتها من البضاعة، إلى الأفكار، إلى القيم، إلى الثقافة، إلى ?لتربية، اعتمادًا على سلطة السوق ومنطق الربح.
كما تحدثت الدكتورة شرادقه عن رؤية البعض بأنّ عصر العولمة هو عصر الانفتاح والتفاعل الإيجابي بين الحضارات، لا عصر الانغلاق والانعزال، وتساءلت عن مدى استطاعة العولمة تسليع الشعر كواحد من أهم معالم الثقافة الإنسانية ونشاطاتها الفكرية والإبداعية، مستعرضةً رأي «بول شاؤول» في أنّ تحولات الشعر تكون من التجربة ذاتها ومن اللغة نفسها من دون توقف أو هواجس منفعية. وساقت شرادقة ما شهده الشعر العربي المعاصر من «حداثات» متعددة على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون، من القصيدة العمودية، مرورًا بالشعر الحر، فقصيدة النثر، وما?تبعها أو تفرّع عنها من أشكال ومسميات كثيرة في عصر العولمة، كاستجابة حتمية لتطور الزمن والبيئة معًا، ونتيجة طبيعية لانفتاح الثقافات على بعضها وتبادل عملية التأثر والتأثير. كما تحدثت عن موضوع صمود الشعر أمام المتغيرات، وهل مسّت بمفهومه كشعر أو بوظيفته كأداة أو بوجوده القوي في معمعة الأشكال والمسميات الأدبية الجديدة الكثيرة. واستنتجت أنّ الشعر ما زال قادرًا على مواجهة تحديات العولمه وأطروحاتها، سواء عبر ترسيخ الوعي الكوني في القصيدة، أو عبر التحولات في الخطاب، بابتكار أشكال جديدة للقصيدة الشعرية الحديثة، كقصي?ة الومضة التي انفتحت على أشكال شعرية عالمية، كقصيدة الهايكو اليابانية، والأبيغراما اليونانية، إضافة إلى استدراج أشكال تراثية، كقصيدة التوقيعة، وغيرها، دون إغفال للقصيدة التفاعلية، التي كانت أكثر الأشكال الشعرية استجابةً لتقنيات العصر وتحولاته المعرفية والتقنية.


