كتب عناد أبو وندي
كانت الأسواق قديمًا تبدأ يومها بصوت الباعة، ورائحة القهوة، وخطوات رجال يحملون على
أكتافهم أرزاق الناس. بينهم كان العتّال، ذلك الرجل الذي لم يعرف المكاتب ولا المقاعد الوثيرة،
بل عرف التعب رفيقًا، والقوة رأس ماله، والعرق وسامًا على جبينه.
لم يكن العتّال مجرد ناقل للبضائع، بل كان عنوانًا للكفاح. يحمل الأكياس والصناديق والأمتعة
من مكان إلى آخر، ويقطع المسافات الطويلة تحت شمس الصيف وبرد الشتاء، مقابل أجر بسيط
يكفي بالكاد لإعالة أسرته. ومع ذلك، كان يبتسم، مؤمنًا بأن العمل الشريف لا يُقاس بمقدار
الأجر، بل بما يمنحه للإنسان من كرامة.
كان الناس يعرفونه بالاسم، ويثقون بأمانته قبل قوته. لم يكن يخشى حمل الأوزان الثقيلة، بل
كان يخشى أن يعود إلى بيته دون أن يجد ما يسد به حاجة أطفاله. لذلك، ظل العتّال رمزًا
للإنسان الذي يصنع الحياة بساعديه، ويؤمن بأن الرزق يحتاج إلى السعي قبل التمني.
ومع مرور الزمن، تبدلت الأحوال. دخلت الرافعات، وانتشرت العربات الحديثة، وأصبحت
الشاحنات وخدمات التوصيل تنجز في دقائق ما كان يستغرق ساعات. فتراجع حضور العتّال،
وغابت صورته عن كثير من الأسواق، حتى ظن البعض أن المهنة قد انقرضت.
مهنة صنعتها الأكتاف القوية
لكن الحقيقة أن العتّال لم يختفِ تمامًا، بل تقلّصت مساحته في الحياة اليومية. فما زالت بعض الأسواق الشعبية والمستودعات تعتمد على رجال يحملون الأثقال بأكتافهم، غير أن أعدادهم أصبحت قليلة، وأصبحت المهنة من المهن المهددة بالاندثار.
إن اختفاء مهنة العتّال لا يعني اختفاء وظيفة فحسب، بل يعني غياب جزء من ذاكرة المجتمع. فهي مهنة ارتبطت بقيم الصبر والأمانة والشهامة، وارتبطت برجال لم يطلبوا الشهرة ولا الأضواء، بل اكتفوا بأن يكونوا سندًا للتجار والمسافرين وأصحاب الرزق.
وفي زمن تتغير فيه المهن بسرعة، تبقى قصة العتّال درسًا في احترام العمل اليدوي، وتقدير كل من يكسب رزقه بعرق جبينه. فالأوطان لا يبنيها أصحاب المناصب وحدهم، بل يبنيها أيضًا أولئك الذين حملوا أثقالها بصمت، وتركوا في ذاكرة الناس صورة الإنسان المكافح الشريف.
رحم الله زمنًا كان فيه العتّال عنوانًا للقوة والأمانة، وحفظ الله كل عاملٍ ما زال يؤمن بأن الكرامة تبدأ من العمل، مهما كان شاقًا أو بسيطًا.


