الملحمة الغَزيَّة: صراع سرْديَّات أم صراع بين الحقيقة والسرديَّة؟

الملحمة الغَزيَّة: صراع سرْديَّات أم صراع بين الحقيقة والسرديَّة؟

 

الملحمة الغَزيَّة: صراع سرْديَّات أم صراع بين الحقيقة والسرديَّة؟

كتب أحمد جرادات

 

تمهيد

في مقاربةِ عملية “طوفان الأقصى” شاعَ استخدام مفردة/مصطلح “السردية/الرواية” في الأوساط الإعلامية والسياسية والثقافية وفي وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في المجالس على أوسع نطاق حتى أصبحت “ترند” trend. وفيها يكثُر الكلام عن الصراع بين سرديتيْن/روايتيْن: السردية/الرواية الفلسطينية والسردية/الرواية الإسرائيلية، بيد أنه قلَّما يُلاحَظ أن هذه الصيغة تَشي بنوع من “التعادُلية” بين السرديتيْن من حيث الصِدقية، وأن الغلَبة ستكون مرهونة بالعوامل “الخارجية” التي تدعمها – أي خارج الحقيقة نفسها-  كالقوة والمال والإعلام وغيرها، وليس للحق والحقيقة. ولهذا أرى أن الصراع هو بين الحقيقة والسردية، أي بين الحقيقة وما بعد الحقيقة، بين الحقيقة الفلسطينية-العربية والسردية الصهيونية – الغربية. ذلك لأن احتلال أرض وُجدت قبل الوجود الخرافي لمحتلها، واجتثاث شعبها وتهجيره بالقوة الغاشمة وإحلال جماعات أخرى من شتى بقاع الأرض محلَّه هو الحقيقة المثبتة التي لا تحتاج أدلة وبراهين والماثلة أمام كل ذي بصيرة وضمير حي. أما ما تقوله الصهيونية وما انفكَّت تُسوِّقه وتفرضه على العالم فهو السردية، المتسلِّحة بوعديْن: وعد سماوي إلهي أسبَغه عليها الرب التلمودي السحيق، ووعد أرضي بَشري منحه لها الإله الاستعماري البريطاني على هيئة آرثر جيمس بلفور.

وليس في نيَّتي في هذا المقام أن أقدم كشفًا بالمكاسب والخسائر/ الانتصارات والهزائم لكلٍّ من طرفيْ الصراع، فقد كفَّى “الخبراء” الاستراتيجيون والسياسيون والحزبيون، المحترفون منهم والهُواة، ووفُّوا، وغطُّوا مساحات الشاشات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي بأكملها، منهم من يقبض أجره، ومنهم من ينتظر، ومنهم من يتطوع لإثبات الذات، أو لوجه الله والوطن والفكر. وليس بمقدوري منافستهم، ولا أرغب في ذلك، وإنما أودُّ أن أُعبِّر عن رؤية، أو أقل من رؤية، فلنقُلْ تأملات بشأن ملحمة السابع من أُكتوبر/تشرين الأول البطولية.

فالعملية في ذاتها ولذاتها (بالمفهوم الهيغلي) تُعدُّ حدثًا فوق العادة بين عمليات المقاومة الفلسطينية منذ إنشاء الكيان الصهيوني، من حيث حجمها ونوعها ووسائلها ونتائجها ورمزيَّتُها؛ رمزيتُها؟ نعم. ألا يُعدُّ اجتياح مقاومي كتائب القسام للمستوطنات الصهيونية في ما يسمى بغلاف غزة على أرض فلسطين المحتلة ودحر المستوطنين الصهاينة المحتلين منها، والمكوث فيها ولو لمدة وجيزة، حدثًا رمزيًا للتحرير والعودة؟ أمَّا من حيث نتائجها، المقصود منها وغير المقصود، المخطَّط وغير المخطط، فإن الثانية منها لا تقلُّ أهمية عن الأولى في هذه المرحلة من الصراع العربي- الصهيوني:

– فصمود المقاومة في وجه العدوان الصهيوني الهمجي، وتشبُّث الشعب الفلسطيني بأرضه في غزة، ورفض الجيش المصري السماح بتهجير أهل غزة إلى سيناء، ومشاركة أطراف محور المقاومة في لبنان واليمن وسوريا والعراق في المعركة، أدَّت جميعًا إلى إفشال خطة إسرائيل، حتى الآن، القاضية بشطب قطاع غزة من الأطلس بتهجير أهله وإنشاء وطن بديل لهم في سيناء المصرية، للتفرغ بعدها لتهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن لاستكمال مشروع الوطن البديل الذي هندَستْه الكولونيالية البريطانية في مطلع القرن العشرين على الأراضي الأردنية كدولة عازلة و”وديعة” مؤقتة ينبغي تسليمها وقتما أرادَ صاحبها الرب التلمودي استرداد وديعته، على طريق إعلان الدولة اليهودية الواحدة والوحيدة من البحر إلى النهر. بيد أن المشروع الموازي الخطير بإنشاء “طريق التوابل” الهندي لم يفشل، ومن شأنه أن يوجِّه ضربة كبرى لطريق الحرير” الصيني- مبادرة الحزام والطريق- وأن يشكِّل خطرًا جسيمًا على قناة السويس العظيمة التي حفَرها بالطورية والقفَّة والأيدي العارية مليون شخص من عمال السخرة المصريين على مدى عشر سنوات كاملة في عام 1856، وقضى نحبه فيها نحو مئة وعشرين ألف عامل نتيجة الجوع والعطش والتعذيب وإساءة المعاملة وتفشِّي الأوبئة، حيث قام رفاقهم بدفنهم في رمال الصحراء، ولا تُعرف لهم قبور أو أسماء حتى اليوم؛ والتي وقف قائد ثورة 23 يوليو/تموز جمال عبد الناصر في مئوية إنشائها عام 1956 ليعلن للجماهير المصرية والأمة العربية تأميمها في خطابه التاريخي الشهير بالجملة الساحرة: “قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية: باسم الأمة، مادة..1″؛ والتي عبَرها الجيش الوطني المصري واجتاح خط بارليف الحصين في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 المجيدة متَّجهًا صوب النصر المؤكد في حرب تحرير، قبل أن يحوِّلها “الرئيس المؤمن” أنور السادات، بفتح “ثغرة دفرسوار”، إلى هزيمة في حرب “تحريك” كما أُطلق عليها؛ والتي تُشكّل، بالإضافة إلى “النهر الخالد” المهدَّد بسدِّ النهضة الإثيوبي، عصب وجود مصر “أُم الدنيا” التي تعهَّد وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر في جولاته “المكوكية” الشهيرة التي أعقبت حرب أكتوبر/تشرين الأول بتحويلها إلى “مصر الصغيرة المسكينة” Little Egyp Poor.

– كما أنَّ مَشاهد الحرب الدموية التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة باستخدام شتى أنواع الأسلحة الأمريكية المحظورة، الذكية والغبية على السواء، وما سبَّبته من جرائم إبادة جماعية ودمار شامل لكل ما هو حيُّ وميت، لا يمكن وصفها بكلمات، وشاهدَها الصغار والكبار على الهواء في كل حارة وزقاق من أركان الأرض الأربعة، أسقطت القناع عن أُكذوبة الديموقراطية وحقوق الإنسان الكبرى وعن وحشية “الحضارة الأرقى والمتفوقة” للغرب الاستعماري ورأس حربته المسموم الكيان الصهيوني الذي يتغذَّى على لحم الأطفال الخُدَّج ويروي ظمأه من دمهم.

– هنا بالضبط وُلد التحوُّل الهائل في مواقف شعوب العالم، بما فيها شعوب الغرب الاستعماري، في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول حلف الناتو وأوروبا الغربية، التي خرجت بالملايين في العواصم الكبرى تندِّد بالعدوان وتهتف: الحرية لفلسطين، وتحيا فلسطين” في ما يشبه صحوة الضمير الغربي، أو استيقاظ الوعي الغربي بالقضية الفلسطينية، الذي كان مغيَّبًا منذ إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين. وقد امتدَّ تغيير المواقف إلى بعض السياسيين والمثقفين وحتى المسؤولين الحكوميين في عواصم المراكز الإمبريالية، وبدا أن فلسطين المنسية منذ عقود عادت إلى ذاكرة الإنسانية المفوَّتة. وظهر كما لو أن شعوب العالم تخلَّصت من عقدة الهولوكوست، وانعتقت رقبتها من ربقة معاداة السامية، وأدركت أنَّ ضحايا العدوان الصهيوني “ساميون” كذلك، ولا يُعقل أن يكونوا مُعادين لأنفسهم، وأنَّ ثمة “هولوكوست” فلسطينية” يوقدها الاحتلال الصهيوني لأطفال ونساء قطاع غزة، واتَّضح أن سيف معاداة السامية المسلول في وجه العالم منذ الحرب العالمية الثانية ليس سوى كذبة كبرى. ويبدو لي أنَّ هذه التحولات في المواقف الشعبية العالمية، وأضعفُها العربية، تأتي اليوم لتردَّ على صرخة أبي عمار الشهيرة اليائسة “يا وحدنا!”

– وردًّا على واقع الانقسام الفلسطيني الذي صار مُزمنًا وعصيًّا على الرأب بين فصيليْ فتح وحماس اللذيْن شكَّلا سلطتيْ الأمر الواقع بموجب أوسلو في “غزة لاند” و”رام الله لاند”، الذي اتَّخذه الفصيلان ذريعة لتشبُّثهما بالسلطة وفشلهما في تحقيق مهماتهما التاريخية المفترضة في التحرير والعودة بعد إبرام اتفاقية أوسلو، واستخدمتها الفصائل الأخرى لتبرير عجزها عن مواجهة تلك المهمات بانتظار إنهاء الانقسام، الذي يمكنني القول إن جميع الفصائل عملت، موضوعيًا، على إدامته ورَكَنت إليه ونامت في عسله.. ردَّا على هذا الانقسام جاءت عملية طوفان الأقصى لتُبرز الحاجة الماسَّة إلى وحدة الجبهات، فرُفعَ شعار “وحدة الساحات”، الذي تحقَّق جزئيًا بمشاركة أطراف محور المقاومة في المعركة.

– ولعلَّ ممَّا أضفى على ملحمة السابع من أكتوبر أهمية إضافية أنها حدثت في سياق سيرورة تاريخية عالمية مفصلية، تتمثَّل في بدء أفول النظام العالمي الأحادي القطبية وبزوغ نظام جديد متعدد الأقطاب أكثر عدلًا، الأمر الذي أسهم في تسريع تحوُّل الرأي العام العالمي الشعبي، وخاصةً الغربي، من الدعم المطلق للسردية الصهيونية الملفَّقة إلى مناصرة الحقيقة الفلسطينية المطموسة وتأييدها في االشوارع والميادين بالملايين، بينما ظلَّ جلُّ العرب مصطفِّين في الجانب المظلم من التاريخ، وكويكباتٍ باردة معتمة تدور في الأفلاك الإمبريالية والصهيونية.

 

ملحمة غزة، وكومونة باريس، وماركس
ثمَّة مَن يقول بأثر رجعي، بحُسن نيَّة أو بسوء نيَّة، إن عملية “طوفان الأقصى” مغامرة متعجِّلة وغير محسوبة العواقب، وانظروا ما يحدث أمام عيوننا من دمار شامل وإبادة جماعية للمدنيين الأبرياء، من أطفال ونساء وشيوخ، وتهجير قد يجرُّ إلى نكبة فلسطينية ثانية وكارثة جيو- سيساسية على المنطقة بأسرها. بيد أنها في نظر الأعداء مجتمعين شكَّلت إرهاصًا لخطر وجودي على إسرائيل، ما يعني أن فكرة تحرير الأرض المغتصبة في لحظة ما من التاريخ لم تعد محض خيال أو نوستالجيا. ولعلَّ هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى هذا الهيَجان المسعور والتدخل الفوري المباشر في الحرب، إن لم نقل قيادتها من غرفة الحرب. وفي ذيلها تقاطرَ الغرب الجماعي الاستعماري بقضِّه وقضيضه.

تحت هذا العنوان أودُّ أن يُفهم بشكل لا لَبس فيه أنني لا أحاول المطابقة أو حتى المقارنة بين عملية “طوفان الأقصى”، أو المقاومة الفلسطينية أو قوات “القسَّام” في غزة، وبين كومونة باريس، فذلك سيكون أمرًا مضحكًا، فهذه عملية مقاومة عسكرية بطولية ضد الاحتلال الصهيوني، وتلك ثورة بروليتارية للتغيير الاجتماعي بهدف بناء الاشتراكية. والتاريخ لا يكرر نفسه، ولا يمكنك أن تضع قدميك في ماء النهر نفسها مرتين بتعبير هيراقليطس، أو أنَّ التاريخ يكرر نفسه مرةً كمأساة ومرةً كملهاة، بتعبير ماركس. إلا أنني أحاول إبراز إمكانية الاستفادة من دروس ثورة كومونة باريس. وأعتقد أنَّ لليساريين والشيوعيين بشكل خاص في موقف ماركس من الكومونة دروسًا مغايرة لموقف منتقدي عملية طوفان الأقصى، كنتُ قد أوضحتها في مقال سابق، وأودُّ الإشارة إليها هنا بإيجاز لصِلتها الوثيقة بهذا الحدث المصيري التاريخي:
– ففي خريف عام 1870، أي قبل انطلاق ثورة الكومونة بعدة أشهر، كان ماركس قد حذَّر عمال باريس من أنَّ أية محاولة لإسقاط الحكومة ستكون حماقة دفعَ إليها اليأس. لكنه عندما فُرضت المعركة الفاصلة في آذار/مارس 1871، وغدتْ الانتفاضة واقعًا ملموسًا، لم يتردد في تأييد الثورة البروليتارية بمنتهى الحماسة على الرغم من نُذر الخطر عليها من تكالب الأعداء الداخليين والخارجيين. ولم يُصر على اتخاذ موقف متحذلق لإدانة الثورة “باعتبارها جاءت في غير أوانها”، كما فعل بليخانوف الماركسي الروسي عندما كتب قبل ثورة عام 1905 مشجِّعًا العمال والفلاحين في روسيا على الثورة، لكنه بعد فشلها، أخذَ يصرخ، شأنه شأن الليبراليين: “ما كان ينبغي حمل السلاح” !

– وفي 17 نيسان/أبريل 1871، كتب ماركس: “قد يكون من السهل للغاية صنع تاريخ العالم إذا كان النضال لا ينطلق إلا في ظروف تؤدي الى النجاح المحتَّم مُسبقًا”.  فقد أدرك أن كل محاولة يُراد منها تقدير نجاحات النضال بدقة تامة مسبقًا ستكون ضربًا من الدجل أو الادعاء الفارغ، ذلك لأن ماركس رأى التاريخ من زاوية نظر أولئك الذين يصنعونه- لكن ليس على هواهم- من دون أن تُتاح لهم إمكانية التنبؤ بالنجاح، وليس من زاوية نظر السياسيين أو المثقفين ضيِّقي الأفق ممن يوزِّعون الحكمة بأثر رجعي.
– وذهبَ ماركس إلى أبعد من ذلك، إذ رأى أنه في بعض المراحل التاريخية لا بدَّ من خوض نضال ضارٍ، حتى في سبيل قضية يائسة، من أجل توعية الجماهير والتحضير لجولات نضال لاحقة، عندما لا يترك تكالب القوى الامبريالية المتوحشة أمام الثوار سوى خياريْن: إما الإقدام على خوض المعركة ضدها، أو الاستسلام لها. وفي حالة اختيار الثاني، فإن الروح المعنوية العامة ستنهار، وسيشكل انهيارها كارثة أفدح بكثير من خسارة أرواح أي عدد من القادة.

ثمنٌ باهظٌ ولكن..

يعتقد البعض أنَّ الثمن الباهظ الذي دفعتْه غزة أكبر بكثير مما حقَّقته عملية طوفان الأقصى. الثمن باهظ؟ نعم، باهظ جدًا، لكن هل شهدَ التاريخ ثورة تحرر من الظلم والاستعباد أو حرب تحرير للأرض من الاحتلال أو استقلالًا وطنيًا عن الاستعمار من دون أن تدفع الثورة في سبيل ذلك ثمنًا باهظًا، بدا للبعض في لحظة سُكون لا تعرفه حركة التاريخ أنه أكبر من حصادها؟

– فهل فكَّر سبارتاكوس بحسابات النجاح والفشل، النصر أو الهزيمة، قبل أن يفجر ثورة العبيد الثالثة على مُلاَّكهم وعلى جبروت الامبراطورية الرومانية بسبعين مُجالِدًا فقط، واستطاع أن يضمَّ إليهم على طول طريق الثورة نحو مئة وعشرين ألفًا من رجال ونساء وأطفال؟ لو أن سبارتاكوس حسَب ذلك الحساب، لَمَا افتداه آلاف من رفاقه بأنفسهم بعد القبض عليهم وتعليقهم على الصلبان أحياءً، ولَما “اعترف” كلٌّ منهم بأنه هو “سبارتاكوس” كي يحمي قائده سبارتاكوس الحقيقي، و لَمَا أصبح رمزًا ثوريًا وأصبحت ثورته مصدر إلهام لثورات شعبية لاحقة في التاريخ الإنساني، ولَمَا وصفها فيلسوف عصر التنوير الفرنسي، المفكر والكاتب الكبير فولتير في القرن الثامن عشر بأنها “الثورة العادلة الوحيدة في التاريخ”. ولَمَا أرسل مدير مكتب التحقيقات الفدرالي إدغار هوفر سيئ السمعة أحد عملائه إلى دار النشر التي كانت تعتزم نشر رواية “سبارتاكوس” ليبلغها بأن مستر هوفر لا يريد أن يرى رواية هوارد فاست على رفوف المكتبات، وهذا ما حصل.

– وهل حَسَب الإمام الحسين الثمن الباهظ الذي سيدفعه عندما قرر خوض المعركة الفاصلة بسبعين فردًا من عترته وصَحبه ضد جيش عبيد الله بن زياد بن أبيه العرمرم؟ لو أنَّ الحسين حسَب نتائج الصراع مع حكم يزيد بن معاوية مسبقًا، مثلما فعلَ شقيقه الحسن، لمَا اختار “السلَّة على الذلَّة”، ولمَا أصبح أيقونة ثورية كربلائية وملهِمًا لملايين الأتباع والمناصرين من المظلومين والمستضعفين منذ موقعة “الطف” حتى يومنا هذا، ولمَا شهدْنا عظَمة حزب الله المقاوم وهو يتصدى للعدو الصهيوني النازي، وسمعنا قائده الفذ وهو يردد شعار “انتصار الدم على السيف” بعد مرور أربعة عشر قرنًا.  

 – وهل كان حمدان قرمط سيعلن حركته الثورية المدافعة عن الفقراء والمعارِضة لحكم الخليفة العباسي المكتفي بالله لو أنه حسَب أنَّ المكتفي سيجرِّد له جيشًا كبيرًا للقضاء على حركته وقتله؟ وهل كان الحسن بن منصور الحلاج سيمضي قُدمًا في مشروعه المعارض لحكم المقتدر بالله لو تيقَّن أن وزير المقتدر حامد بن العباس سيوقعه في فخ الزندقة والشِرك، وسيأمر بصلبه وتقطيعه عضوًا عضوًا على الخشبة وهو حي؟ وهل كُنا سنسمع بأشعاره الفلسفية:

“اقتلوني يا ثقاتي     إن َّفي قتلي حياتي

ومماتي في حياتي   وحياتي في مماتي”،

وأشعاره الصوفية الجميلة في الإحلال والتوحد مع الذات الإلهية:

“أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللْنا بدَنا

فإذا أبصرتَني أبصرتَه     وإذا أبصرتَه أبصرتَنا.”؟

– هل كان نجوم الفيلق الأممي المميَّز من الكتاب والشعراء والفنانين التقدميين الغربيين، كالروائي إيرنست همنغواي والشاعر جون كورنفورد وغيرهما، سيمتشقون السلاح ويتَّخذون من رفوف مكتبة كلية الفلسفة والآداب في جامعة مدريد متاريس للدفاع عن الجمهورية الإسبانية الثانية في مواجهة الفاشية لو أنهم عرفوا مسبقًا أن الجنرال فرانكو سينتصر؟ أو هل حسَب الشاعر والفنان العظيم غارسيا لوركا ثمن وقوفه شامخًا أمام فرقة الإعدام في وادي غرناطة مخاطبًا أسطورة إسبانيا وأيقونتها ماريانا، وهم يطلقون الرصاص عليه: 

” ما الإنسان دون حرية يا ماريانا

قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حرًا

كيف أهَبُكِ قلبي إن لم يكن مِلكي؟”

– لن أبتعد كثيرًا بالمكان والزمان، كم دفعَ أشقاؤنا الجزائريون من أرواحهم ثمنًا لاستقلال بلادهم عن الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الذي دام مئة واثنتين وثلاثين سنة؟ مليون … مليون ونصف.. مليونا شهيد؟ قمعٌ وإذلال وحرمان وتجويع واستعباد لشعبها؟ تلويثٌ لأرضها وسمائها وبحرها بالتجارب والنفايات النووية؟ هل منَعهم كل ذلك من إطلاق ثورتهم المجيدة في وجه المستعمر الفرنسي البشع؟ هل منَعَ ذلك أحدَ الأبطال الوطنيين الجزائريين مفدي زكريا من كتابة كلمات النشيد الوطني الجزائري، الذي أهدى لحنَه للثورة الجزائرية الموسيقي المصري الكبير محمد فوزي، حتى قبل انتصار الثورة وإعلان الاستقلال بخمس سنوات ليصدح به:

“قسمًا بالنازلات الماحقات
  والدماء الزاكيات الطاهرات
نحن ثُرنا فحياةٌ أو ممات

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا… فاشهدوا… فاشهدوا…

وبعد الاستقلال طلبت فرنسا حذف المقطع الذي يدينها في النشيد، لكن الجزائر رفضت، واستمر المقطع حتى اليوم:

… يا فرنسا قد مضى وقت العتاب
وطويناه كما يُطوى الكتاب
  يا فرنسا إنَّ ذا يومُ الحساب
  فاستعدِّي وخُذي منا الجواب
  إن في ثورتنا فصل الخطاب
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا… فاشهدوا… فاشهدوا.”

– هل فكَّر شهداء الثلاثاء الحمراء محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي بالثمن الذي سيدفعونه بمشاركتهم في ثورة البُراق الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني في فلسطين عندما تسابقوا إلى حبل المشنقة في سجن عكَّا كي لا يُفجع كلٌّ برفيقيه؟ وهل كان الشاعر ابراهيم طوقان سيكتب قصيدته في ثلاثتهم؟

“…أنا ساعةُ النفس الأبيـَّة، الفضـلُ لـي بالأسبقيـة

أنا بِكر ساعـاتٍ ثـلاث، كلُّهـا رمـز الحميَّـة

أنا ساعة الرجل العتيد، أنا ساعة البـأس الشديـد
أنا ساعة الموت المشرِّف، كلِّ ذي فعـل مجيـد

أنا ساعة الرجل الصَبور، أنا ساعة القلب الكبيـر
رمز الثبات إلى النهايه في الخطير من الأُمـور.”

وهل فكَّر الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود بالثمن الذي سيدفعه عندما قرر الانخراط في الكفاح المسلح ضد قوات الانتداب البريطاني والعصابات الصيهونية، وقبل اشتراكه في الهجوم على مستوطنة صهيونية واستشهاده في معركة الشجرة في عام 1948؟ لو أنَّ قريحة الشاعر شُغلت بحسابات حياته الشخصية ومماته الشخصي، وليس بحقه السليب وبلادة المحتلة لَما وصلت إلينا قصيدته الشهيرة “الشهيد”، التي كان قد تنبَّأ فيها باستشهاده، بل أرادَه بقوة:

“سَأَحمِلُ روحي عَلى راحَتي        وَأُلقي بِها في مَهاوي الرَّدى

فَإمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَديقَ            وَإِمّا مَماتٌ يَغيظُ العِدى

وَنَفسُ الشَريفِ لَها غايَتانِ         وُرودُ المَنايا وَنَيلُ المُنى

لَعَمرُكَ إِنّي أَرى مَصرَعي         وَلكِن أَغذُّ إِلَيهِ الخُطى

أَرى مَقتَلي دونَ حَقّي السَليب          وَدونَ بِلادي هُوَ المُبتَغى.”

وثمةَ عددٌ لا يمكن الإحاطة به من الأمثلة في التاريخ القديم والمعاصر، ليس آخرها “الجهاد السوري” الذي “حَيَّ عليه” وأطلقه الفيلسوف الصهيوني الفرنسي برنار هنري ليفي في عام 2011. وقتئذٍ، لو أنَّ القيادة السورية ارتعدت فرائصها وهدَّها اليأس جرَّاء حسابات موازين القوى المرعبة وجَنَحت للاستسلام أو المساومة، لَما تمكَّن الجيش العربي السوري وحلفاؤه مِن بَعد من التصدي لجحافل العدوان العالمي بأذرعه الإرهابية، المدجَّج بالسلاح والمال والفتاوى الوهابية، ولَما انتصرت “الأوديسة السورية” على “الربيع العربي”، بل لَما بقيتْ سوريا. 

 

اليوم التالي بين أُكتوبريْن: حَذارِ من “ثغرة دفرسوار” جديدة!

لا أستطيع أن أخفي أنني كلَّما سمعت عبارة “اليوم التالي” أضعُ يدي على قلبي الذي يدقُّ بالمخاوف والشكوك. ومع ثقتي بالمقاومة الفلسطينية الباسلة في قطاع غزة التي اجترحتْ هذه الملحمة البطولية وما اقتضتْه من ثمن باهظ تدفعه غزة وتضحيات جِسام يبذلها أهلها، وبالمقاومة اللبنانية التي لم تتوقف ولم تخْبُ نارها منذ الاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية، وبقائدها الذي لا يكذب أهله، وبالمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبمساهمة “محور المقاومة” ككل، فإنه لا يزال في جُعبة الأعداء حُزمة من سهام السيناريوهات السامَّة، الجاهزة والمرتَجلة، لليوم التالي لانتهاء العدوان. فبالنظر إلى ماهيَّة الأطراف “الراعية” والمشارِكة في المفاوضات تحت مظلة الهيمنة الأميركية التامة، مع إقصاء روسيا والصين وأية دولة صديقة أو حتى محايدة عن المشاركة.. وإلى مواقف الأغلبية الساحقة من أنظمة الحكم والكيانات السياسية العربية، ومنها الفلسطينية، التي تجاوزت مرحلة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى التحالف معه والتخديم الأمني عليه.. وبالنظر إلى مواقف الطبقات والفئات الاجتماعية، وخاصةً الكُمبرادورية والنيوليبرالية المتوحشة، والقوى والأحزاب والتنظيمات السياسية المؤيدة لإسرائيل والولايات المتحدة ودول الغرب الاستعماري أو المتواطئة معها أو “الساكتة على غِش” عنها في البلدان العربية، سواء فوق الطاولة أو تحتها، فإن ثمة ما يبرر مثل هذه الشكوك والمخاوف؛ إذ لا يمكن إنكار، أو غمض العينين عن التأثير الأقوى لتلك الأطراف، وخصوصًا الطرف الأميركي المهيمن، على طبيعة الحل السياسي “لليوم التالي” الذي قد يُفرض في نهاية هذه الجولة في الصراع الوجودي. إنَّ هذا كله يقتضي من كتائب القسام والفصائل الفلسطينية المقاوِمة الأخرى، مجتمِعةً وموحَّدةً ومُتلاحمة، التحلِّي باليقظة والحذر وتوخِّي الثبات على كل ما هو لمصلحة شعبها وقضيتها، والحرص على عدم التماهي مع، أو الامتثال للمواقف والحلول البائسة المحتملة، الباطنة أو الظاهرة – بما فيها التَّلهي “بطبخة حَصى” حل الدولتين- التي قد تُفرض على القيادات السياسية الغافية في عَسل الخارج، وذلك خِشيةَ فتح “ثغرة دفرسوار” جديدة. وما بين أُكتوبر 1973 وأُكتوبر 2023 حذارِ من “ثغرة دفرسوار”، وما أدراكَ ما “ثغرة الدفرسوار”!

 

 

تصفح ايضا

عاجل