"الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار"

"الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار"

كتب احمد جرادات

الأوديسة السورية مشروع ثقافي أعكف على إعداده بعنوان "الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار"، يضيء الأعمال الأدبية التي ألَّفها كُتَّاب سوريون عايشوا الحرب العدوانية على سوريا ووقفوا ضدها وكتبوا مؤلفاتهم في أتونها، في الفترة منذ إشعال فتيلها في آذار/مارس 2011 حتى اليوم، وهي فترة نطاق البحث التي بلغتْ في آذار/مارس من هذا العام 2021 "العشرية الحالكة"، وذلك إسهاماً متواضعاً من جانبي في إسناد المعركة الثقافية التي يخوضها الكتاب السوريون الوطنيون والتقدميون ضد قوى العدوان الامبريالي-الصهيوني-الرجعي العربي الهمجي وشغّيِلتهم من جحافل الإرهابيين على سوريا وفي مواجهة الفكر الظلامي التكفيري والنيوليبرالية المتوحشة.

الانتليجنسيا في الحرب الثقافية: قادة لشعوبهم أم بيادق في أيدي أعدائها؟
قبل اقتحام بيت نار الأوديسة السورية في هذه الحرب العالمية الهمجية التي تعرَّضت لها سوريا طوال العشرية الحالكة التي مضت، ينبغي النفخ على جمرة الموضوع الأساسي، وهو الحرب الثقافية ودور الثقافة والمثقفين في التصدي للعدوان ومقاومة المعتدين وإلحاق الهزيمة بهم، الأمر الذي يقتضي الإجابة عن السؤال الأساسي في الحرب الثقافية: هل الانتليجنسيا قادة لشعوبهم أم بيادق في أيدي أعدائها؟
لعلَّ من نافلة القول إن الثقافة ليست واحدة من الساحات التي تُخاض عليها الحروب فحسب، بل هي من المعارك الفاصلة التي تُخاض بها الحروب من قبل الدول والشعوب. ولا يمكن كسب أية حرب بدون استخدام ترسانة سلاح ثقافي مختَزنة أو يتم تجهيزها لتلك الحرب، حتى لو كانت عدوانية وغير عادلة وثقافتها زائفة وشريرة ومتوحشة. وبالنسبة لحربنا الدائرة في مواجهة العدوان الإمبريالي- الصهيوني- الرجعي العربي وجحافل الإرهابيين التكفيريين من داعش والنصرة وسُلالتيهما، فإن حمَلة هذا السلاح ومستخدميه هم المثقفون التقدميون الذين يجب أن يشكّلوا "كتيبة" أو "حامية" تتقدم الجيش أو ترافقه أو تحمي ظهره. وتضطلع هذه الكتيبة الثقافية بمهمات رئيسية ثلاث: التصدي للعدو ثقافياً وفضحُ أهدافه الحقيقية؛ وتعبئة الشعب واستنهاضه لمقاومة عدوِّه؛ وبيان عدالة القضية الوطنية وشرحها للعالم، وخاصةً الشعوب والحركات التقدمية، لكسب تأييدها. هذا بالإضافة إلى دور الانتليجنسيا الأساسي الدائم والثابت، وهو الدور الحضاري المتمثل في تكريس وإدامة إشغال مكان لائق للشعب/الأمة في متن التاريخ، بدلاً من أن ينزاح، أو يُزاح، إلى هامشه كما هي حالنا اليوم. بيد أن السؤال الكبير هو: هل يقوم/هل قام المثقفون في بلادنا بهذا الدور في الحروب العدوانية الأخيرة على سوريا والعراق وليبيا ولبنان، والحبل على الجرار؟ بل ألم يشتغل كثيرون منهم في صفوف أعداء بلادهم وشعوبهم مقابل العطايا والهدايا والهِبات والجوائز والمناصب، وعملوا أبواقاً دعائية لهم وزمَّارين تحت الطلب؟
من المؤكد أن الزمنَ سيكشف عن كثير من الأمثلة والممارسات المُشينة لمثقفين وكتاب وفنانين، منهم من يُعَد من الكبار- ولا أتحدث هنا عن السياسيين، فعن هؤلاء حدّث ولا حرج- على غرار ما كشفت النقاب عنه الباحثة فرانسيس ستونر سوندرز حول دور وكالة المخابرات المركزية "سي آي أيه" في إدارة الحرب الثقافية الباردة بتشغيل أعداد كبيرة من المثقفين والكتاب والفنانين لصالحها في أوروبا والولايات المتحدة نفسها والعالم ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة.

مثقفون أم زمَّارون؟
في كتابها الشهير "مَن دفع للزمَّار؟ وكالة المخابرات المركزية والحرب الثقافية الباردة" تؤكد الباحثة سوندرز أنه بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية الساخنة أوزارها، وفي أوج الحرب الباردة، أعدَّت الولايات المتحدة برنامجاً سريا للدعاية الثقافية في أوروبا الغربية بإدارة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (التي سترد من هنا فلاحقاً باسم "الوكالة"). وتؤكد سوندرز أن السمة الأساسية للبرنامج هي الادعاء بأنه غير موجود، وأن الحاضنة الرئيسية له هي منظمة/مؤتمر الحرية الثقافية Congress of Cultural Freedom، التي أدارها عميل الوكالة مايكل جوسلسون خلال الفترة من عام 1950 إلى عام 1967.

ومن المعروف أنه خلال تلك الفترة وصلتْ المنظمة إلى خمسة وثلاثين بلداً وشغَّلت عشرات الموظفين، ونشرتْ أكثر من عشرين مجلة مهمة، وأقامت معارض فنية وامتلكت وكالات إخبارية، ونظَّمت مؤتمرات دولية رفيعة المستوى، ومنحت جوائز لفنانين وموسيقيين وكتاباً وأقامت لهم احتفالات عامة واحتفاءات خاصة. لقد كانت مهمة منظمة الحرية الثقافية الأساسية تتمثل في إبعاد الانتليجنسيا في أوروبا الغربية عن الاستمرار في التعلق بأهداب الماركسية والشيوعية، باتجاه استيعاب "الطريقة الأمريكية" وتحقيق ما سُمي بـ "السلام الأمريكي" Pax Americana؛ فبدأت الوكالة منذ عام 1948 بإنشاء كونسورتيوم يضطلع بمهمتين: أولاهما تحصين العالم ضد ما أسمته "وباء" الشيوعية؛ وثانيتهما تسهيل تمرير مصالح السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي سبيل تنفيذ هاتيْن المهمتين رفعت الوكالة فزاعة "الحُمر لم يعودوا ينامون تحت السرير، بل باتوا الآن ينامون في السرير نفسه"، أي في عقر دار الولايات المتحدة وأوروبا الرأسمالية. وشكَّلت لجنة دولية مضادة لمؤتمر السلم العالمي، ضمَّت أسماء كبيرة، من قبيل تي إس إليوت، أندريه مارلو، بيرتراند راسل، وحتى ألبرت شويتزر، الحائز على جائزة نوبل. وقد بلغت ضراوة الحرب الثقافية التي شنَّتها الوكالة ومنظمة الحرية الثقافية ضد كل من يساند أو يتعاطف مع الشيوعية أو الاتحاد السوفييتي أو حتى مؤتمر السلم العالمي حد اتهامه بالخيانة العظمى والتشكيك في وطنيته أمام شعبه. ووصلت الحملة المعادية للشيوعية إلى حد أن مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الشهير إدغار هوفر أرسل أحد عملائه إلى دار النشر التي كانت تعتزم نشر رواية "سبارتاكوس" لإبلاغها بأن مستر هوفر لا يريد أن يرى رواية هوارد فاست على رفوف المكتبات، وهذا ما تمَّ.
وتجزم الباحثة سوندرز، استناداً إلى معلومات ووثائق، بأن أسماء كبيرة لعدد كبير من الكتاب والفنانين والمؤرخين والعلماء والنقاد في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية ارتبطوا بمشروع منظمة الحرية الثقافية، بطريقة أو بأخرى، بعلمهم أو بدون علمهم، وأن هيئات ثقافية بأكملها وقفت ضد أنظمة بلدانها واستنْجدت بأعدائها، ومن بينها اتحاد الكتاب المجريين الذي أذاع من راديو بودابست "مانيفستو" ناشد فيه جميع الكتاب والمثقفين في العالم مساندته ضد النظام الاشتراكي في بلده في عام 1956، وكان ذلك بإيعاز من منظمة الحرية الثقافية."
بمثل هذه الروح المتهافتة على تقديم الخدمات الثقافية لدول العدوان تعامل العديد من المثقفين والكتاب العرب مع العدوان الهمجي المتعدد الجنسيات على سوريا، حيث هبَّوا لتأمين الغطاء الثقافي لوحشية العدوان، متدثرين برداء "ثورات الربيع العربي"، وألبسوه لبوس الحرب "الأخلاقية" الواجبة ضد "الدكتاتورية" في سوريا ومن أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي لم تعرف طريقها إلى بلدانهم يوماً. ورأوا أن أنجع سبيل إلى ذلك هو شخصَنة القضية ومذهَبتها وجعلها "قضية العرب والمسلمين المركزية"، بدلاً من فلسطين، فرفعوا شعار الإطاحة بالرئيس بشار الأسد مع مصاحف المظلومية المذهبية على رؤوس الرماح الوهابية. وقد تبنَّى أولئك المثقفون تلك السردية الليبرالية- الوهابية وتبجَّحوا بالرطانة السياسية الجوفاء وصاغوها شعراً ونثراً وخطباً عصماء في الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي، وتسابقوا، بل تطاحنوا أحياناً و"تواشوا" (وشى بعضهم ببعض) في سبيل نيل الجوائز الثقافية والأدبية والفنية المحلية والعربية والعالمية، من قبيل "بوكر" العربية و"كتارا" القطرية وسواهما، أو طمعاً في النشر في الصحف والمجلات المموَّلة، أو المشاركة في مراكز البحوث المقنَّعة، أو الظهور على الشاشات الفضائية المملوكة والموجَّهة من قبل مشغِّليهم.
هنا يجدر التذكير بسيل البيانات السياسية المحلاَّة أحياناً بقشرة ثقافية برَّاقة التي أصدرها مئات المثقفين والكتاب والفنانين العرب، فضلاً عن العديد من المنظمات الثقافية العربية تأييداً لدول وقوى العدوان وتنديداً بسوريا التي تتصدى للعدوان.
فمنهم من خرجت بياناته تعجُّ بالأكاذيب والأضاليل السياسية ضد بلده، لكنها مموَّهة بعناوين "ثقافية" فضفاضة، من قبيل "ضد عالم اليوم"، وحاول الظهور بأنه يستند إلى "تحليل طبقي"، لكنه زائف وتعسفي، لإضفاء "صَبغة" فكرية يسارية على معارضة ليبرالية حليفة للوهابية والإرهاب.
ومنهم من افترى فرية مكشوفة حول "الصمت الرسمي العربي وتلكؤ المؤسسات الثقافية العربية إزاء ثورة الشعب السوري". إذن ما ذا تُسمى أطنانُ البيانات والمقالات والأعمال الأدبية والفنية والمسلسلات والأفلام المتهافتة التي "صُنِّعت" خصيصاً ضد سوريا منذ اليوم الأول، أي منذ أن أطلق "فيلسوف الربيع العربي وجيفارا الثورة المضادة" برنار هنري ليفي مشروعه "الثوري" الجوَّال باسم "نظرية القذافي وتطبيق النموذج الليبي على سوريا"؟
كما أنَّ منهم من استنكر موقف سوريا التاريخي من "قضية العرب الأولى"، ورفضَ "رفضاً قاطعاً الزجَّ باسم فلسطين وقضيتها والمتاجرة بدم أبنائها" من قبل الدولة السورية، وارتدى رداء ثقافياً ليقول إن موقفه السياسي المعادي لسوريا هذا يأتي استناداً إلى وحفاظاً على "الإرث الثقافي الفلسطيني المنحاز للحريات عبر روافعه التاريخية، بما يليق به كمشروع تحرري حمَلتْه وأغنتْه وعمَّقت جوهره أسماء مثل إدوارد سعيد وغسان كنفاني ومحمود درويش (من الواضح أن الغرض من "زج" هذه الأسماء الثلاثة في هذا المقام لا يخفى على أي ذي لُب حكيم."

جدل الثقافي والسياسي
إلى جانب المواقف المعلنة لبعض المثقفين المُعادين لسوريا، والتستُّر على المواقف الحقيقية المضمرة لبعضهم الآخر، انتعشت وتفشت في الوسط الثقافي "أُطروحة" الثقافي ضد السياسي القديمة المعلوكة، وطفت على السطح رطانة "تثقيف السياسة لا تسييس الثقافة"، التي يوحي راطنوها، باستعلاء مصطنع، بأنهم لا يبتغون سوى مرضاة النقاء الثقافي وتجميل وجه السياسة القبيح، وذلك "بالنأي بالنفس" عن وحل السياسة. والحقيقة أن كلَّ كاتب راجح العقل يعلم في داخله أن فصل الثقافي عن السياسي في تاريخ الأمم هو فصل تعسفي و"بروباغاندا" سياسية يمينية، لكنها محجَّبة ببرقع ثقافي. كما أنه أشبه ما يكون بإطلاق قنبلة دخانية لإخفاء مسرح العمليات و"تغبيش" رؤية "المقاتلين" وإقناع البيادق بأنهم يدافعون عن "قضية" ويرفعون لواءها وشعارها، وهو هنا "فصل الثقافي عن السياسي"، فلا معركة بدون عُصبة تخوضها، ولا عُصبة بدون "قضية" وشعار تتلطَّى خلفهما مهما بلغت بشاعة أهدافها المضمرة. إن الفصل التعسفي بين الثقافي والسياسي ليس سوى خرافة مكارثية ومحض هُراء، وإن السجال بشأنه ترف سقط بالتقادم منذ انتهاء الحرب الباردة وكشْف القناع عن دور وكالة المخابرات المركزية في الحرب الثقافية الباردة بشكل موثَّق من قبل العديد من الكتاب والباحثين الغربيين أنفسهم.

بيان الندم
وكي لا ينكر أحد من المثقفين السوريين والعرب من أنصار "الثورة" وأعداء "النظام" ما أوردتُه بشأن ارتباط العديد من الكتاب والمثقفين بوكالة المخابرات المركزية من خلال منظمة الحرية الثقافية، لنفي ارتباطاتهم هم بأعداء سوريا، أود أن أُشير إلى ما ذكرته الباحثة "سوندرز" آنفة الذكر من أنه في أواخر عام 1967 وأوائل عام 1968، شعر الزعيم الجبار لمنظمة الحرية الثقافية مايكل جوسلسن بالإرهاق العقلي والجسدي جرَّاء ما اقترفت يداه من فظائع "ثقافية" بحق كبار المثقفين من خلال وكالة التجسس الأمريكية. ومَن يدري، لعلها صحوة ضمير النزْع الأخير، فأصدر البيان الآتي المباشر الذي وقَّعه معه 17 شخصية ثقافية:
"نودُّ أن نعلن على الملأ معارضتنا للتمويل السري من قبل وكالة المخابرات المركزية للمطبوعات والمنظمات الثقافية وعن إيماننا بأن التمويل المنتظم من قبل هذه المنظمة لا يمكن إلا أن يضرب صدقية هذه المطبوعات والمنظمات ثقافياً وأخلاقياً."
وتضيف الباحثة أنه في عام 1978 مات مايكل جوسلسون كئيباً وحيداً بعد أن تخلَّى عنه جميع الذين تعاونوا معه سابقاً، حتى أنه أخفق في أن يجد لنفسه عملاً. فإذا كانت تلك نهاية مايكل جوسلسون، رجل الجبروت الذي شغَّل أو تلاعب أو خدع أو استغل أو سيَّر عن بعد أو اضطهد أو حطم عدداً لا يُحصى من أكبر وألمع الكتاب والفنانين في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، فما هو مآل المثقفين السوريين والعرب الذين يلهثون خلف تابعي جوسلسون المعاصرين وتابعي التابعين؟
إن هذا المدخل ينطوي على أسئلة أساسية عديدة، لا مناص من اجتراح إجابات صادقة ودقيقة وصريحة عنها، بلا مجاملة لأحد أو جهة ولا تبرير أو تسويغ لأمر ولا رطانة أو غمغمة فكرية أو سياسية:

  • كيف ولماذا حدث ويحدث ذلك في سوريا والبلدان العربية؟ ما هو دور المثقفين؟ ما الذي فعله ويفعله المثقفون إذن؟ ما العمل؟ كيف الخروج من هذه الأزمة/المأزق؟


لا أدَّعي وصلاً بحل أو إجابة عن سؤال، ولست مؤهلاً لذلك، لكنني أرجو أن يُسمح لي بطرح اقتراح يقضي بالتوجُّه إلى المفكرين والفلاسفة والعلماء والمؤرخين والكتاب والأدباء والفنانين الوطنيين والتقدميين من جميع البلدان العربية ودعوتهم إلى إنشاء ملتقى فكري تقدمي يشمل الحقول المذكورة كافة، يأخذ على عاتقه الاضطلاع بالمهمة الوجودية الواجبة الأداء، ويحمل على كاهله العبء الحضاري الثقيل الذي يستحق أن تنحني له أصلب الظهور، مهمة إنتاج الأفكار والتحليلات والمقاربات واجتراح الحلول الكفيلة بالخروج من المأزق الحضاري لهذه الأمة وإعادتها إلى متن التاريخ بإعلاء شأن العقل والعلم والإنسان. وأجدُ أن اتحاد الكتاب العرب في سورية، اتحاد كتاب العرب جميعاً- وأظنه الوحيد بين اتحادات الكتاب العربية الذي يحمل اسم "العرب" بدون الصفة القطرية- لا تنقصه الأهلية الكفيلة بتبني إطلاق مثل هذا المشروع التشاركي العظيم، النابع من قلب الكارثة الوطنية، ورعايته. ولعلَّ في العمل على إحراز تقدم حقيقي في سيرورة هذا المشروع الطويلة والمعقدة والمتشعبة والمتعددة الرؤى والمسارات ما يلامس جانباً من الإجابة عن الأسئلة الثقافية الكبرى آنفة الذكر.

هل يستطيع الكتاب والفنانون أن ينتجوا أعمالاً أدبية وفنية في أتون الحرب؟
نعم، بل بوسعهم خوض القتال بامتشاق السلاح الناري، وليس الثقافي فحسب، في الوقت نفسه. ولعلَّ من أسطع الأمثلة على ذلك موقف الكتاب والفنانين أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.

متاريس الفلسفة والأدب
في كتابه المدهش " أنا إسبانيا: الحرب الأهلية الإسبانية والرجال والنساء الذين ذهبوا لقتال الفاشية"، يقدم المؤرخ البريطاني دافيد بويد هيكوك رواية تفصيلية لدور العديد من الكتاب والفنانين الغربيين البارزين في مقاومة الانقلاب الفاشي بقيادة الدكتاتور فرانكو على النظام اليساري الشرعي المنتخب في إسبانيا أثناء ما عُرف باسم الحرب الأهلية الإسبانية، ولتأثيرها الكبير على حياتهم وأفكارهم وحتى كتاباتهم في خضم المعارك. فيصور كيف كان عدد من الكتاب والفنانين والصحفيين المنخرطين في صفوف ما عُرف بـاسم "فيلق المثقفين الأممي" يقاتلون من جامعة مدريد، وقد اتخذوا متراساً لهم في مكتبة كلية الفلسفة والأداب، حيث كانوا يطلقون النار من النوافذ المسدودة بالكراسي ومجلدات الفلسفة الألمانية، في مشهد حي لعله كان سيثلج صدر كل من ماركس وإنجلز لأن فلسفتهما جاءت لا لفهم العالم فحسب، بل لتغييره أيضاً. وكانوا في استراحة المقاتلين بين المعارك يهرعون إلى رف الأدب للتزود بالذخيرة الرومنسية من أشعار كولريدج ووردزورث. فكان الشاعر الشيوعي الانجليزي الشاب جون كورنفورد الذي التحق بالألوية الأممية يطلق النار بحماسة من خلف متاريس الكتب، ويقول إن تلك الحرب الثورية "مرعبة على نحو مُبهج!"
ففي تموز/يوليو 1936 اندفع عدد غفير من الكتاب والفنانين والمثقفين إلى امتشاق السلاح الحربي، فضلاً عن السلاح الثقافي، دفاعاً عن الجمهورية الإسبانية الثانية، وكان من بينهم أسماء لامعة، من قبيل الشاعر جون كورنفورد والروائي أيرنست همنغواي، وغيرهم من الأسماء التي تحدَّث عنها المؤرخ دافيد هيكوك في كتابه الذي تضمَّن تحليلاً سياسياً، إلى جانب الوصف الحي للمعارك وحكايات البطولة الرومنسية، بحيث لم يتوانَ عن القول إن الحرب الإسبانية، بالنسبة لذلك الجيل من الكتاب والفنانين، "كانت تتسم "بالجاذبية"، وإن جاذبيتها كانت تكمن في تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها، ووصلت إلى حد يجعلك تشعر بأن كل كاتب بريطاني أصيل وجد طريقه إلى إسبانيا!" وقال كاتب آخر إن" كل معادٍ للفاشية في أوروبا أحسَّ برعشة أمل".
ولا يسعني هنا إلا أن أردد كلاماً مشابهاً: أن كل كاتب وفنان ومثقف سوري وعربي وأممي حر وأصيل ومعاد للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية والنيوليبرالية المتوحشة والفكر الظلامي التكفيري القروسطي ينبغي أن يجد طريقه إلى سوريا. هذا هو دوره المنوط به وهذا ما هو متوقع ومطلوب منه.


طباعة   البريد الإلكتروني