سليمان الموسى.. مؤرخ الأردن

سليمان الموسى.. مؤرخ الأردن

الطليعة نيوز - فرح العلان
في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي $ برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته.

وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.

يقول المؤرخ الأردني سليمان الموسى في تقديمه لكتابه «صور من البطولة»، مخاطباً الشباب الأردني: «لقد قاتل آباؤكم وأجدادكم وجاهدوا ما وسعهم القتال والجهاد، وضحّوا تضحيات حقيقية في سبيل بلادهم، فلا يستهن أحد بما قدموه، ولا يسمحنّ للدعايات الباطلة أن تحول بينه وبين الرؤية الصحيحة والمحاكمة العقلية الرصينة، لقد وضع أولئك الأجداد والآباء اللبنات الأولى في مدماك النهضة الوطنية الحديثة، وعلى جيلنا وجيل أبنائنا أن يواصل عملية البناء بأسلحة العلم والعمل والشرف والتضحية».

عاصر المؤرخ الراحل سليمان الموسى بدايات تأسيس الدولة الأردنية التي تحتفل بمئويتها الأولى هذه الأيام، حينما كانت في البلاد مدرسة ثانوية كاملة هي مدرسة السلط. واستهوته الكتابة التاريخية التي ما لبث أن خاض غمارها معتمداً على لغته العربية السليمة وعلى اتقانه للغة الإنكليزية وسعة اطلاعه على الكتب و المجلات التي أكسبته ثقافة متينة. وألف في تاريخ الأردن المعاصر ما لم يؤلِّف مؤرخ أردني قبله مثله. إذ اختص بتاريخ الثورة العربية الكبير وبسير قادتها فأجاد وأبدع. كما تكونت لديه مع الزمن والممارسة خبرة في استنطاق الوثائق التاريخية، ودراية في نقد الروايات وكشف ميول أصحابها واتجاهاتهم، وسبر أغوار العديد من القادة والسياسيين وصناع القرارات، ليغدو مؤرخَ الأردن الأسبق، مثلما أصبحت مؤلفاته مراجع ومصادر لدراسة تاريخ الأردن لا يستغني عنها باحث أو دارس.

أجاد الموسى في الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، وكتب بالإنكليزية وأتيحت له فرص الرحلة والتجوال في العالم وفي البلاد العربية فاتسعت دائرة معارفه، وله فضل لا ينسى ويحظى بذكرى طيبة لدى كل من عرفه وخبره وعاصره.

وُلد الموسى في قرية الرفيد شمال إربد، في حزيران عام 1919. وتلقّى تعليمه في مدرسة الرفيد وكُتابها، ثم في الحصن، وحصل على دبلوم من بريطانيا في وقت لاحق بالمراسلة. ثم عمل في سلك التعليم مدرّساً في قريته، وانتقل بعد ذلك للعمل في يافا وحيفا، وهناك كتبَ في صحف فلسطين ومجلاتها، ثم ألفَّ أول كتبه: «الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى»، وهو من كُتب السيرة. شدّته شخصية الشريف المثالية فكتب كتابه هذا عام 1937 وهو ابن 18 ربيعاً. وانتظر الكتاب عشرين عامًا حتى رأى النور. فصدرت طبعته الأولى عام 1957، وصدرت طبعته الثانية عام 1992.

عاد الموسى للأردن، وعمل في المفرق، في شركة نفط العراق، واشترك مع بعض الشبان في إنشاء نادي المفرق الصحراوي. كما عمل في إذاعة عمان عام 1957 بوظيفة مذيع ومنتج. ثم انتقل بعدها إلى دائرة المطبوعات والنشر.

في عام 1959 أصدر كتاب «تاريخ الأردن في القرن العشرين» (بالاشتراك مع منيب الماضي). وكان هذا الجزء الأول، وقد غطى تاريخ الوطن حتى ذلك العام. وكان من نتيجة كتابه هذا الذي وضع في فترة قياسية أن ارتخت عضلة يده اليمنى، فتحول للكتابة باليسرى. وصدر الجزء الثاني من «تاريخ الأردن في القرن العشرين» عام 1996.

في عام 1962 وضع كتاب «لورنس: وجهة نظر عربية»، الذي تُرجم إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية واليابانية، وطُبع منه أكثر من عشرين ألف نسخة بهذه اللغات، وفيه فنَّد الموسى ادعاء لورنس بأنه قاد الثورة العربية. وقد تركَ هذا الكتاب أثراً بالغـاً على جميع الباحثين في لورنس وآثاره. وترجم الكتاب للإنجليزية أستاذ اللغة الإنجليزية في الجامعة الأردنية د.ألبرت بطرس. سمحت خبرة سليمان الموسى الثقافية وقربه من مؤسسات الدولة الرسمية والثقافية، بأن يتحصل على الكثير من الوثائق التي أتيحت له، لذلك يلاحَظ أن كتبه حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، كانت توثيقاً لهذا التاريخ ابتداءً من الثورة العربية الكبرى، مروراً بعهد الإمارة الأردنية، ثم عهد المملكة الحديثة، بالاستناد إلى الوثائق، فقد جمع في مؤلفاته عدداً كبيراً من نصوص الوثائق والمراسلات وكل ما من شأنه توضيح حركة التاريخ الأردني في القرن العشرين، فضلاً عن أنه بذلك قد وضع بين أيدي الباحثين في تاريخ الأردن وثائق أصيلة تفضي إلى كتابة تاريخ موضوعي لمسيرة الأردن خلال القرن الماضي.

كما استند الموسى إلى المؤلفات المعاصرة له، من كتب ومذكرات ومقالات وبرقيات، فقد أحاط بمصادر تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، ولعله من أكثر الباحثين إحاطة بذلك، فجاءت كتاباته ذات مصداقية لا يستغني عنها الباحثون في تاريخ الأردن الحديث والمعاصر.

زود الموسى كتبه حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر بالصور الضرورية لتوثيق ما يكتب، فضلاً عن الملاحق التفصيلية التي ترقى إلى الوثائقيات، كما أنه كان يذكر في نهاية كتبه تلك المراجع التي استند إليها.

وتُقسم منهجية الموسى في كتابة تاريخ الأردن وفق مؤلفاته إلى أربع مجموعات: كتب حول تاريخ الأردن الحديث والمعاصر، وكتب الأعلام والشخصيات الأردنية، والكتب المترجمة حول الأردن، والكتب النقدية.

وقد عمل الموسى أيضاً مستشاراً ثقافياً في وزارة الإعلام، ثم في وزارة الثقافة والشباب (1966-1984)، وأخيراً مستشاراً ثقافياً لأمين عمان حتى عام 1988. وترأس تحرير مجلّات مثل «رسالة الأردن» و"أفكار».

وبعد تقاعده تفرّغ للكتابة، وصدرت مذكراته في كتابين: «ثمانون: رحلة الأيام والأعوام»، و"خطوات على الطريق: سيرة قلم- تجربة كاتب».

بعد وفاته في عام 2008، أقامت وزارة الثقافة حفل تأبين له في المركز الثقافي الملكي، وصدر ملف خاص في مجلة «أفكار» اشتمل على كلمات التأبين كاملة. وأصدرت الوزارة كتابين بمناسبة التأبين هما: «سليمان الموسى: أيامك لن تنسى» الذي حرره د.بكر خازر المجالي، واشتمل على جميع المقالات التي صدرت إثر وفاة الموسى وفيها تقدير واضح لمنجزاته. و"ثمانون: رحلة الأيام والأعوام»، الذي يتضمن مذكراته التي كانت صدرت أول مرة في عام 2002، وكتب مقدمة الطبعة الثانية الشاعر جريس سماوي.

كما أقامت وزارة الثقافة معرضا للصور غطى مراحل حياة الموسى، وإثر ذلك تشكلت لجنة لتكريمه برئاسة د.علي المحافظة، وأقرّت اللجنة مشروع طباعة أعماله الكاملة.

حاز الموسى عددا الأوسمة والجوائز: من أهمها: وسام الحسين بن علي–وسام الاستقلال من الدرجة الثانية (1988)، وجائزة عبد الله بن الحسين لبحوث الحضارة الإسلامية (1988) عن كتابه «إمارة شرقي الأردن: نشأتها وتطورها في ربع قرن: 1921-1946»، ووسام الحسين بن علي – وسام الاستقلال من الدرجة الأولى (2002)، ووسام الحسين للعطاء المميز (2007).

صدر للموسى عشرات المؤلفات، منها: «الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى» (1957)، «لورنس والعرب: وجهة نظر عربية» (1962)، «الثورة العربية الكبرى: وثائق وأسانيد» (1966)، «صور من البطولة» (1968)، «الثورة العربية الكبرى: رجال صنعوا التاريخ» (1988)، «أيام لا تنسى: الأردن في حرب 1948»، «ثمانون: رحلة الأيام والأعوام» (2002)، «خطوات على الطريق: سيرة قلم» (2003)، «إمارة شرقي الأردن: نشأتها وتطورها في ربع قرن 1921-1946» (1990).

الرأي


طباعة   البريد الإلكتروني