عمّان

مائة رد على مقالة

مائة رد على مقالة مائة رد على مقالة

مائة رد على مقالة

By / تعليم وجامعات / الأربعاء, 21 نيسان/أبريل 2021 08:37

الدكتور ذوقان عبيدات*

كتبت في 15 نيسان مقالة في موقع الأول نيوز بعنوان ( ليس تبريرا للغش!).
أثارت المقالة جدلا بين من رأى أن التعليم عن بعد متورط بصناعة الغش ونشره بين أفراد المجتمع ، وبين من رأى أن الغش ظاهرة اجتماعية لا علاقة لها بالتعلم عن بعد .
وصلني حوالي مائة رد على المقالة – وهذا حشد ليس مألوفا– علق على مقالتي أشخاص من فئات وخبرات متنوعة:
– معلمون ومعلمات.
– تربويون وتربويات من الأردن وخارجه.
– وزراء حاليون وسابقون، تربويون ومن خارج التربية.
– نواب حاليون وسابقون.
– شخصيات عامة.
– أصدقاء.
ونظرا لعدد الردود وكثرتها وصدق مرسليها الذي ظهر من حرفة الردود فقد رأيت نقل الموضوع إلى المجتمع عبر جريدة الغد بكتابة مقالة تصويرية تشمل:
. نشر المقالة نفسها: ليس تبريرا للغش وهي المقالة التي استدعت حراكا مجتمعيا واسعا.
. الردود المجتمعية على موضوع الغش وعرض مقتطفات منها دون تعليق، وقد حرصت في هذه المقالة أن أكون حياديا جدا في عرض الردود دون تدخل، ويهمني أن أعبر أن هذه الردود تصلح لكتابة رسالة دكتوراه في الغش وأبعاده، وأكتفي هنا بسرد هذه الردود دون تحليل مني وقد أترك التحليل لمقالة قادمة أو لأي مهتم في هذا الموضوع.
وقد واجهتني مشكلة أخلاقية هي: هل من حقي ذكر الردود بأسماء أصحابها؟ وهل يرغب أصحاب هذه الردود بذكر أسمائهم، أو نشر أفكارهم عبر صحيفة؟
فكرت في استئذانهم إلا أن هذه مهمة شاقة، قد تكون لباحث وليس لكاتب مقالة تنشر في أسفل صفحة داخلية في صحيفة يومية.
ليس تبريرا للغش!!
الغش قيمة سلبية عند جميع المجتمعات، لكن النفاق الاجتماعي يعمل باتجاهين، محاربة الغش علنًا، وممارسة الغش سرًا، فالغش ظاهرة اجتماعية، وفي مجتمعنا وديننا: من غشنا فليس منا، ومع ذلك نزهو بالغشاشين ونحترم ونقدر شطارتهم.
والغش ظاهرة تربوية تاريخية، وعبثا حاولنا محاربتها، بل أدخل وزير المدرعات الأمنية إلى ساحات المدارس، ذهب الوزير وذهبت المدرعات وبقي الغش، وبناء عليه:
. التعليم عن بعد بريء من الغش براءة الذئب من دم يعقوب، فلم يوجد نظام تربوي إنساني خلا من الغش.
. الغش سابق للتعليم عن بعد، ومرافق له، وباق ربما بعد اكتشاف نظام هجين أو مقلوب أو لم يخلق بعد، فما سر هذه القوة للغش؟ وما أسباب خلوده؟
قلنا كل الشعوب والمجتمعات والأخلاق والمعلمين والمدارس والمصلحين والمفكرين كلهم ضد الغش! ومع ذلك عاش الغش وانتشر رغم كل القوى العظمى التي تحاربه!
أطمئنكم بعد تبرئة التعليم عن بعد من الترويج للغش إلى أن الغش باق ما دام النظام التعليمي:
– يقيم امتحاناته لقياس الحفظ والتذكر وليس بناء الشخصية والخبرة والنمو العقلي والعاطفي والحركي والجمالي.
– يشجع التنافس بين الطلبة ويقلل التشارك والتفاعل. ويفتح الجامعة أمام متفوقي العلامة، ويفتح الوظيفة أيضا أمامهم، بل ويفتح المجتمع أمامهم فتحا مبينا!
– يضع شعار الامتحان: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان! وأن على الطالب أن يقلق أمام الامتحان، فالقلق والتوتر والحذر والحرص قيم مطلوبة في الامتحان.
– يقيس الامتحان ما يمكن قياسه لا ما يجب قياسه! تفشل المدرسة ومعلموها بل ومربو القرن العشرين في قياس ما يجب قياس ما يسهل قياسه لا ما يجدر قياسه حيث يسهل الغش والخداع!
– يستمر في فشله في إيجاد العلاقة الطبيعية بين الطالب ومدرسته، حيث الحرب الباردة المستمرة بين الطلبة والمعلمين ومرافق المدرسة وأدواتها أيضا: تكسيرا وتمزيقا!
هل نسيتم كيف يمزق طلاب التعليم عن قرب كل كتبهم بعد الامتحانات؟ وكيف يحفرون مقاعدهم ويتلفون أثاث مدارسهم؟
فالغش ليس أكثر سوءا من هذه التصرفات!
الغش منتج لسوء التعليم وسلبية المجتمع ولا علاقة للتعليم عن بعد به إطلاقا، وكما يقال لم يخلق التعليم عن بعد الغش في النفوس بل كشف عما في هذه النفوس!
هذه هي المقالة وألخص أفكارها بما يأتي:
– الغش ظاهرة اجتماعية سابقة للتعليم، فقبل المدارس كان هناك غ ، ورافق نشأتها، وقد يبقى ما بقي الإنسان.
– التعليم عن بعد ليس مسؤولا عن صناعة الغش، بل كشف عن هشاشة الشخصية الإنسانية التي تلجأ إلى الغش ما وجدت إليه سبيلا!
– إن كل من غش هو نتاج لنظام التعليم عن قرب أو التعليم الذي نحن إليه جميعا، متناسين أنه هو من فشل في تعليمنا الشرف والنزاهة والقيم الأخلاقية .
هذه هي المقالة تماما، أما ردود الفعل نحوها أو اتجاهات المواطنين من مختلف الفئات التي ذكرتها في مقدمة هذه المقالة فسأعرضها فيما يأتي عرضا تصويريا سرديا دون أي تدخل مركزا على مقتطفات من الأفكار دون ربطها بأصحابها.

2عرض الردود على المقالة:
قلت إن الردود عديدة وقد أهملت ردود من لا يقرأون ويرسلون لك رسالة أبدعت أو أبدعت كعادتك، وركزت على الردود التي علقت على موضوع الغش والأفكار والرسائل التي وردت في مقالتي: وقد شملت الردود ثلاثة موضوعات هي:
الموضوع الأول: مفهوم الغش ومظاهره وانتشاره.
الموضوع الثاني: عوامل الغش في التعليم والامتحان.
الموضوع الثالث: حلول ومقترحات كما وردت في الاستجابات.
أولا: الغش مفهومه ومظاهره
– الغش زميل للكذب والسرقة والزنا والنفاق والفساد المنتشر في مجتمعنا.
– نفتقر في مجتمعنا ومؤسساتنا إلى السلوكات الأخلاقية والتي يجب أن تفرض بقوة القانون، فالفساد منتشر في هيئاتنا ومؤسساتنا.
– الغش موجود في كل زمان ومكان وهو ظاهرة كونية عامة.
– الغش هو سرقة شيء أو جهد أو تعب الآخرين أو حقوقهم أو مناصبهم أو أبحاثهم ومخترعاتهم.
– الغش ليس حكرا على التعليم بل عام في كل نشاطاتنا فهناك غش في الإعلان والدعاية، وفي شراء السيارات المستعملة وفي بيعها ، حيث نعيد دهانها وبرمجة عدادها، وهناك غش في تسويق الفاكهة في الصندوق، وغش في الشراء حيث تتعرض لغش في السعر والوزن والنوعية.
– هناك غش في الزواج مثل سلوك أهل العريس والعروس في مرحلة التعارف أوليس المكياج غشا!
– وغش في الحرب أو ليس الحرب خدعة، أولم نتفاخر بالخدعة الاستراتيجية لعبور قناة السويس حرب 73 ( لواء عسكري )
أكتفي بهذه المظاهر وأنتقل إلى الموضوع الثاني:
ثانيا: عوامل الغش وأسبابه.
يقول نائب يساري: نحن شعب نبحث عن الأسهل والوصول إلى أهدافنا دون عناء: فالنائب وصل بالغش والتاجر يربح بالغش ومن يلتزم بأخلاق الفروسية ربما كان عليه أن ينتظر طويلا. فالغش أسلوب حياة حتى الأم تتحايل على طفلها باستخدام اللهاية!
أما عوامل الغش بالتركيز على التعليم فهي كما عبر عنها المستجيبون للمقالة:
– عيوب في فلسفة التعليم وقيامه على المنافسة والحرمان من العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ففي ظل تعليم كهذا كيف لأبناء المدارس النائية مجاراة مدارس متفوقة!
– عيوب في التدريس والامتحان والتقويم مما يدفع الطلبة للحصول على العلامات المطلوبة ودخول الجامعات والكليات المطلوبة.
– عيوب في امتحانات تقيس الحفظ والذاكرة دون الخبرة والشخصية مما يجعل الغاية تبرر الواسطة.
– عيوب في المنظومة الأخلاقية ومعايير النجاح والفشل في الحياة الشخصية والمهنية والاجتماعية حيث ينظر بإعجاب إلى سياسي فاشل ورجل أعمال حرامي وإعلامي مسيطر … الخ.
– غياب الرقابة الداخلية، الضمير الغائب أو المستتر الذي منع ظهوره غياب عدالة المجتمع وضعف الوازع الأخلاقي.
– مناهج دراسية لا تشجع على خلق الباحث، بمقدار ما تسعى إلى خلق النماذج والقوالب الجاهزة أو مجتمعات التلقين والامتثال والسعي إلى المسايرة.
– قيم تربوية ومجتمعية تؤكد أهمية التفوق التحصيلي والدرجات الكاملة، وفتح الأبواب أمام حملة الشهادات حتى لو مزيفة.
– غياب التفكير والتحليل والاستنتاج والابتكار والابداع وكشف التناقضات والإشاعات مما يخلق شخصية تميل إلى سهولة الوصول ولو بالغش.
هذه بعض عوامل الغش أرجو أن أكون وفقت في نقلها.
الموضوع الثالث: الحلول المطلوبة
ركزت بعض الردود على البحث عن حلول ولا تكون الحلول من دون مناقشة أسباب الغش سواء كانت الأسباب تربوية أو مجتمعية!
ومن أبرز هذه الحلول – وهذا ليس رأيي–:
– تعزيز القيم والأخلاق المجتمعية علما بأن كل أخلاق الدنيا تدعو للنزاهة بدلا من الغش، وكل الأديان السماوية تدعو إلى فضائل الأخلاق! إذا ما المطلوب؟ نظام مجتمعي صريح وأخلاق صريحة تظهر ما تبطن، لا تحارب الغش علنا وتقدره أو تمارسه سرا والمعضلة هي: كيف ندعو إلى الفضيلة علما بأن الرذيلة أسرع جذبا؟
– تطوير نظام تعليمي يقدر المغايرة والاختلاف وليس المسايرة والمساواة واعتبار الأطفال وقدراتهم كأسنان المشط! ويتبع ذلك فلسفة جديدة للتعليم تحترم كل القدرات، وتعطي فرصا لتحقيق الذات بعيدا عن معايير المنافسة.
– تطوير امتحانات عادلة تقيس الشخصية والخبرة وليس الحفظ، وذكر الكثيرون: امتحانات الكتاب المفتوح كإثبات على أن الامتحان خبرة تعلم لا خبرة: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان! فبئست امتحانات يهان بها الطالب!
– محاربة الغش وفرض العقوبات القاسية على من يغشون.

هذه ليست آرائي وحلولي فأنا لا أؤمن إلا بأخلاق الاختيار لا بأخلاق الحرق والدبابات وغيرها.
نقاط مضيئة ..
إن من أبرز النقاط المضيئة التي كشفت عنها المقالة وردود الفعل نحوها:
– طلبة مدارس أردنية يرفضون الغش برغم التعلم عن بعد، فقد تربوا في بيوتهم ومدارسهم على تحمل المسؤولية، والاكتفاء بما يعرفون لا بما يستطيعون جمعه من مساعدات. فقد ذكر أكثر من رد على أن أبناءهم وأحفادهم لا يضعون الغش ضمن مفرداتهم أو قاموسهم.
– عبر كثيرون عن سلوك أحفاد لهم يدرسون في أوروبا والولايات المتحدة أنهم يرفضون تلقي أي مساعدة في أداء الامتحانات.
إذًا الخير موجود ولكنه ضائع ومفقود!
أما أنا فأكرر موقفي: التعليم عن بعد لم يصنع الغش وربما كشف عن هزالة التعليم وهزالة القيم الأخلاقية وبالتالي هو بريء من دم الغش، فكما قلت في المقالة: كشف عما في النفوس ولم يصنع الغش في النفوس!.
*خبير تربوي

Author

الصحفي عناد ابو وندي

الصحفي عناد ابو وندي

  • احدث الاخبار
  • الأكثر قراءة اليوم

Please publish modules in offcanvas position.