عمّان

النزهة ليست مجرد هروب إلى الطبيعة فما هو تاريخها وكيف تطورت؟

النزهة ليست مجرد هروب إلى الطبيعة فما هو تاريخها وكيف تطورت؟ النزهة ليست مجرد هروب إلى الطبيعة فما هو تاريخها وكيف تطورت؟

النزهة ليست مجرد هروب إلى الطبيعة فما هو تاريخها وكيف تطورت؟

By / منوعات / الجمعة, 22 أيار 2020 03:40

الطليعة نيوز 

"النُزهة هي الخروج من المنزل للمشي أو الجلوس في الحديقة، وحيداً أو برفقة العائلة والأصدقاء". الأمر ليس بهذه البساطة، بل هو أكثر تعقيداً بقليل، فمنذ سكن معظم البشر في المدن مع مطالع القرن التاسع عشر وانطلاق الثورة الصناعية، باتت النُزهة في الطبيعة طقساً يمارسه الناس كوسيلة من وسائل الترفيه، وبات هذا الطقس يحتاج إلى تحضير لأيام عدة قبل الانطلاق في النُزهة.
وغالباً ما صارت رحلات النُزهة تقام في عطلة نهاية الأسبوع بعد الانتهاء من مهمات العمل في الأيام السابقة، كوسيلة للترفيه عن النفس والهروب من اكتظاظ المدينة وضجيجها وتلوّث مصانعها. وفي المدن الصناعية الكبيرة بأوروبا، بادرت المؤسسات الرسمية إلى إقامة الحدائق العامة الواسعة وجهّزتها بأدوات التنزّه، من مقاعد وشوايات ثابتة وملاعب وملاهٍ للأطفال وبرك للسباحة، وذلك من ضمن سياسات الترفيه عن الموظفين والعمال وشدّ أواصر العلاقات العائلية والاجتماعية ورفع ضغوط العمل عن كواهلهم، بعدما أذكت أمراضاً مختلفة كالتوتر والقلق والرتابة والعزلة وتكريس الحياة الفردية المدينية.

النُزهة للمدينيين

الراغبون بالخروج من المدن إلى القرى والغابات والتلال والأنهار أو إلى شاطئ البحر باتوا يحضرون معداتهم بأنفسهم، وهي كثيرة ومتنوّعة، وهذا ما أوجد سوقاً لأدوات النزهات تبدأ من آلات الشيّ والكراسي الخفيفة والمظلات والطاولات وألعاب الأطفال سهلة النقل والحمل. وازدهرت هذه السوق بشكل كبير بعد الحرب العالمية الأولى، وصارت النُزهة التي تجمع أشخاصاً وعائلات يفترشون الأرض ويخرجون من سلالهم أنواعاً من الطعام والشراب، في واحدة من الصور الرائجة في الأفلام الصامتة ثم الملوّنة وفي الرسوم المتحركة للأطفال وفي الأغاني الكلاسيكية وفي الإعلانات الدعائية التي تصوّر العائلة أو جماعة من الأصدقاء يمضون وقتاً مرحاً مع بعضهم البعض.
حياة المدينة السريعة والمكتظّة هي التي أنعشت روح النُزهة في نفوس سكانها، بينما الخروج إلى الطبيعة هو تحصيل حاصل بالنسبة لسكان القرى الذين يعيشون من الطبيعة وفيها أساساً، فلا تبدو نزهاتهم كأمر خارج عن المألوف في حياتهم اليومية كما هي الحال بالنسبة لسكان المدن.
تفسيرات النُزهة

وبسبب جِدّة طقوس النُزهة، حاول المعجميون وعلماء الاجتماع إيجاد تعريف لغوي وتوصيفي خاص بها، فصُنّفت بدايةً على أنها "وجبة يتم تناولها في الهواء الطلق كجزء من رحلة في مناطق ذات مناظر خلاّبة، مثل حديقة أو بحيرة أو أي مكان آخر يوفر إطلالة مثيرة للانشراح".

في تفسير آخر، يحدّد معجم كامبريدج النُزهة بأنها "وجبة تأخذها إلى مكان في الخارج لتؤكل هناك بطريقة غير رسمية"، أما الفرنسيون فكانوا أكثر تحديداً على طريقتهم الأنيقة في توصيف الأمور، فقالوا إنها "الوجبة التي تمت المساهمة بها بشكل مشترك للتمتع بها خارج الأبواب". وكانت هذه الوجبة "ضرورية" للنُزهة لدى الفرنسيين منذ أوائل القرن التاسع عشر، أو باتت جزءاً من روتين حياتهم الأسبوعية. وصار التنزّه شائعاً في فرنسا بعد الثورة الفرنسية، عندما بات مسموحاً للمواطنين الزيارة والاختلاط في الحدائق الملكية في البلاد. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت النزهات عبارة عن أحداث اجتماعية مترفة مع وجبات معقدة ومشروبات فاخرة، يستغرق تحضيرها أياماً أحياناً.

ويقال إن الكلمة الفرنسية pique-nique كان أول استخدام لها في طبعة عام 1692 من كتاب "أصول اللغة الفرنسية" Origines de la Langue Française ، واكتُفيّ بالشرح أن "الكلمة من أصل حديث، وبأن لا جذر لغوي محدداً لها"، وفي ما بعد اشتق الإنجليز منها لفظة بيكنك picnic. وطال الزمن الذي ظلّت خلاله القواميس والمجاميع اللغوية تفسّر النُزهة على أنها "مجموعة من الناس يتناولون الطعام في مطعم، وجلبوا معهم وجباتهم وتشاركوها. أي الوجبة التي أسهم فيها الجميع".

في اللغة العربية يبدو في تفسير معنى كلمة "النُزهة" تناقضاً بين معجم وآخر، فقد نَزِهَتِ الأرض (بالكسر) أي تزيّنت بالنبات. أما معنى "خرجنا نَتَنَزَّهُ في الرياض" فأصله من البعد. قال بن السكيت "مما يضعه الناس في غير موضعه قولهم خرجنا نتنزه إذا خرجوا إلى البساتين. قال وإنما التَّنزه التباعد عن المياه والأرياف، ومنه قيل فلان يتنزه عن الأقذار ويُنَزِّهُ نفسه عنها، أي يُباعِدها، والنَّزَاهَةُ البُعد من الشر. وهذا مكان نَزيه أي خلاء بعيد من الناس ليس فيه أحد".
يُظهر التفسير العربي القديم لمعنى النُزهة تناقضاً، فهو تزيّن الطبيعة بالنباتات، ولكنه ابتعاد عن المياه والأرياف بالنسبة للناس. وهذا معاكس للمعنى العربي الحديث لكلمة نُزهة. وهذا الأمر غير قليل الحدوث في معاني كلمات كثيرة في اللغة العربية تحوّرت معانيها بشكل كبير إلى حد التناقض في بعض الأحيان. على سبيل المثال و(للتوكيد على هذه الفكرة)، مثل كلمة "غانية"، التي كانت تعني المرأة التي تستغني بحسنها وجمالها عن الزينة، قبل أن يتحوّل معناها إلى ما يعاكسه حالياً.
النُزهة والترويح عن النفس

لا شك في أننا جميعاً نعلم بأن التنزّه في الطبيعة برفقة الأصدقاء والعائلة يحقق الراحة النفسية والهدوء ويخفّف من القلق والتوتر. هذا أمر نشعر به بمجرد التنزّه، بل وربما نبادر جميعاً تلقائياً إلى الخروج في نُزهة حين نشعر بالضيق. ولكن ما نشعر به غريزياً تم إثباته علمياً، إذ أجرى باحثون من جامعة ستانفورد الأميركية دراسة تظهر أنّ التنزّه في الطبيعة يساعد على تصفية الذهن. وكان الباحثون طلبوا من 19 مشترِكاً التنزّه لمدّة 90 دقيقة في الطبيعة، بينما طُلب من 19 آخرين التنزّه في المدن. وطُلبوا من كلّ مشترك ملء استمارة عن شعوره قبل النُزهة وبعدها. كما عمد الباحثون إلى تصوير دماغ كلّ من المشتركين بمفرده. وأظهرت عمليات المسح أن المنطقة المرتبطة بخطر الإصابة بالأمراض العقلية في الدماغ كانت أقلّ نشاطاً لدى أولئك الذين كانوا يتنزّهون في الطبيعة.
وأظهرت دراسة أميركية حديثة أن قضاء 20 دقيقة يومياً في التنزه أو الجلوس في مكان يجعلك تشعر بأنك على اتصال بالطبيعة يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون التوتر بشكل كبير. الدراسة أجراها باحثون في جامعة ميشيغان الأميركية ونشروا نتائجها، في دورية "Frontiers in Psychology" العلمية.

وأوضح الباحثون أن الاتصال بالطبيعة وقضاء أوقات في المتنزهات والحدائق يمكن أن يكون حلاً منخفض التكلفة لتقليل الآثار الصحية السلبية الناجمة عن النمو الحضري المتزايد وأنماط الحياة الحديثة التي تركّز على الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات.

Author

الصحفي عناد ابو وندي

الصحفي عناد ابو وندي

Please publish modules in offcanvas position.