انت هنا : الرئيسية » كتاب الطليعة » الأنظمة السياسية المعاصرة، بنيتها وأنواعها/الدكتور ابراهيم الحجازين

الأنظمة السياسية المعاصرة، بنيتها وأنواعها/الدكتور ابراهيم الحجازين

الأنظمة السياسية المعاصرة، بنيتها وأنواعها/الدكتور ابراهيم الحجازين


في أجواء الحوار الدائر على مستويات وفي أوساط رسمية وشعبية مختلفة حول النظام السياسي المناسب للأردن في ظل الحراك الشعبي والاجتماعي الواسع المطالب بالإصلاح السياسي والديمقراطية والتي تعبير عن الميل نحو تجسيد إرادة الأمة باعتبارها مصدر السلطات. رأيت أن أتقدم بهذه المساهمة والتي توضح أنواع الأنظمة السياسية ومميزاتها وموقع السلطة التشريعية فيها في كمحاولة لاطلاع الرأي العام عليها لرفد خبرته بالمعرفة المناسبة .
تختلف النظم السياسية في تكوينها وبنيتها وتوزيع السلطات وقيمها فيها، فمن بينها من يجعل اختصاصات التشريع موزعة بين رئيس الدولة ملكًا كان أو رئيس وبين مجلس نيابي كله منتخب أو بعضه معين ويتم انتخاب السلطة التشريعية أو تعينها كما يجري في بعض البلدان، لكن في النظم السياسية الديمقراطية الحقيقية فتنتخب السلطة التشريعية من قبل من يحق له الانتخاب من أفراد الشعب ويكون مباشرة أما من خلال قوائم قريبة أو أفراد ضمن دوائر أو ضمن دائرة الصوت الواحد كبريطانيا مثلا، وقد يكون الانتخاب بدوره واحدة أو دورتين ويوجد مدة محددة للسلطة التشريعية. وقد تسمى السلطة التشريعية بأسماء فيطلق عليها البرلمان أو المجلس النيابي أو مجلس الشعب أو الجمعية الوطنية أو المجلس التشريعي أو مجلس الأمة او مجلس الشعب أو الكونغرس وغير ذلك من التسميات.
والنظم السياسية الديمقراطية المعاصرة تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات المدخل الرئيسي لتحديد نوع النظام السياسي وأساس هذا المبدأ هو توزيع السلطات وعدم تركيزها في يد واحدة بل توزيعها على شكل هيئات أو مؤسسات وفق الاختصاصات المنوطة بها فتتخصص السلطة التشريعية بالتشريع والرقابة والسلطة التنفيذية في مهمة تنفيذ القانون والسياسات المقرة وتقوم السلطة القضائية بتطبيق القانون وتقديم المشورة القضائية وتجري العلاقة بين هذه السلطات في أطر يحددها النظام السياسي كما يقره دستور هذه النظم. وبناء على ذلك يمكن أن تصنيف نماذج من النظم السياسية على أساس وجود فصل نسبي بين السلطات من زاوية العلاقة الموجودة بينها. فإذا كانت العلاقة قائمة على أساس المساواة والتعاون فيسمى بالنظام البرلماني أما إذا كان الفصل بين السلطات قائماً مع رجحان كفة السلطة التنفيذية فيسمى بالنظام الرئاسي أما اذا كان النظام يقوم على أساس تقاسم السلطات بين رأس الدولة ورئيس الوزراء عندها يسمى بالنظام شبة الرئاسي او نصف رئاسي.وسنعرض فيما يلي أنواع هذه الانظمة:
النظام البرلماني:
النظام البرلماني هو نوع من أنواع الحكومات النيابية ويقوم على وجود مجلس منتخب يستمد سلطته من سلطة الشعب الذي انتخبه ويقوم النظام البرلماني على مبدأ الفصل بين السلطات وعلى أساس التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وتتكون السلطة التنفيذية في هذا النظام من طرفين هما رأس الدولة ومجلس الوزراء ويلاحظ في النظام البرلماني عدم مسؤولية رأس الدولة أكان ملكا ام رئيسا أمام البرلمان أما مجلس الوزراء أو الحكومة فتكون مسؤولة أمام البرلمان أو السلطة التشريعية ومسؤولية الوزراء اما أن تكون مسؤولية فردية أو مسؤولية جماعية بالنسبة لأعمالهم. ويؤخذ بهذا النظام في الدول ذات أشكال الحكم الجمهورية أو الملكية لأن رأس الدولة في النظام البرلماني لا يمارس اختصاصات سلطوية بنفسه وتتم ممارسة السلطة عن طريق هيئة الوزارة.
ومع أن السلطة التشريعية لها وظيفة التشريع فإن للسلطة التنفيذية الحق في اقتراح القوانين والاشتراك في مناقشتها أمام البرلمان كذلك فيما يتعلق بوضع السياسات العامة من حق السلطة التنفيذية لكنها أي السلطة التشريعية تمتلك الحق في نقاش السياسات وإبداء الرأي فيها كما تمتلك السلطة التشريعية الحق في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية والتصديق على ما تعقده من اتفاقيات.
لذلك فمعظم العلاقة بين السلطتين مبنية على التوازن والتعاون أما ما يتعلق برئيس الدولة في النظام البرلماني فقد اختلف الفقهاء حول دوره ولكن الرأي المرجح ان معظم دوره غير فعال ومركزه مركز شرفي ومن ثم ليس له أن يتدخل في شؤون الإدارة الفعلية للحكم وكل ما يملكه في هذا الخصوص هو مجرد توجيه النصح والإرشاد الى سلطات الدولة وحفظ التوازن، لذلك قيل ان رئيس الدولة في هذا النظام لا يملك من السلطة الا جانبها الاسمي أما الجانب الفعلي فيها فيكون للوزراء.
فالسلطة الفعلية تترك للوزراء وهم الإدارة الفعلية في شؤون الحكم ورأس الدولة لا يملك وحده حرية التصرف في أمر من الأمور الهامة في الشؤون العامة أو حتى المساس بها وهذا هو المتبع في بريطانيا وهي موطن النظام البرلماني حتى صار من المبادئ المقررة في النظام البرلماني ان (الملك يسود ولا يحكم).
فالنظام البرلماني المولود في بريطانيا انتقل الى القارة الاوروبية في القرن التاسع عشر وارسيت قواعده في فرنسا بين عامي (1814-1840م) واعتمدته بلجيكا عام (1831م) وهولندا في نهاية القرن التاسع عشر وكذلك النرويج والدنمارك والسويد بين عامي (1900م-1914م) وكانت فرنسا في عام 1875م الدولة الاولى في العالم التي ارست جمهورية برلمانية.
أن الوظيفة الفخرية لرئيس الدولة والمجردة من السلطات الفعلية ساعدت في الإبقاء على ظاهر ملكي لنظام هو في الحقيقة نظام ديمقراطي، وبعد حرب 1914م انتشر النظام البرلماني في دول أوروبا الوسطى والجديدة التي انشاتها معاهدة فرساي.
ويختلف الفقهاء حول الاختصاصات لرئيس الدولة، وذلك لتكليف البرلمان الاختصاصات الرئيسية للوزراء، الوزارة هي السلطة الفعلية في النظام البرلماني والمسؤولة عن شؤون الحكم أما رئيس الدولة فانه غير مسؤول سياسياً بوجه عام فلا يحق له مباشرة السلطة الفعلية في الحكم طبقاً لقاعدة (حيث تكون المسؤولية تكون السلطة) أي ان ممارسة رأس الدولة للسلطات تعني محاسبته على مسؤولياته وطبقا لنظرية العقد الاجتماعي سيحق للشعب بعد محاسبته ان يغيره وفق الأنظمة الانتخابية المعمول بها، وفي رأي آخر ان إشراك رئيس الدولة- ملكاً أو رئيساً للجمهورية- مع الوزارة في إدارة شؤون السلطة لا يتعارض مع النظام البرلماني بشرط وجود وزارة تتحمل مسؤولية تدخله في شؤون الحكم ولكن من النادر في الأنظمة البرلمانية ان تكون هناك سلطة حقيقية منوطة برأس الدولة.
وهكذا عمليا فإن الوزارة في النظام البرلماني هي المحور الرئيسي الفعال في ميدان السلطة التنفيذية حيث تتولى العبء الأساسي فيه وتتحمل المسؤولية دون سلب رئيس الدولة حق ممارسة بعض الاختصاصات التي قررتها أو تقررها بعض الدساتير البرلمانية في الميدان التشريعي أو التنفيذي ولكن شريطة أن يتم ذلك بواسطة وزارته الأمر الذي يوجب توقيع الوزراء المعنيين إلى جانب رئيس الدولة على كافة القرارات المتصلة بشؤون الحكم إلى جانب صلاحية حضور رئيس الدولة أثناء اجتماعات مجلس الوزراء ولكن بشرط عدم احتساب صوته ضمن الأصوات. لذلك يفرق الوضع الدستوري في بعض الدول بين مجلس الوزراء والمجلس الوزاري حيث يسمى المجلس بمجلس الوزراء إذا انعقد برئاسة رئيس الدولة ويسمى بالمجلس الوزاري إذا انعقد برئاسة رئيس الوزراء.
ورئيس الدولة هو الذي يعين رئيس الوزراء ولكن حقه مقيد بضرورة اختيارهم من حزب الأغلبية في البرلمان، فالبرلمان هو الذي يمنح الثقة للحكومة وتختلف الحكومات في النظام البرلماني بقوة أعضائها والأحزاب المشتركة في الائتلاف حيث تسود الثنائية الحزبية عند وجود التكتلات المتوازنة في البرلمان. وفي النظام البرلماني رئيس الدولة هو الذي يدعو لإجراء الانتخابات النيابية وتأتي بعد حل المجلس النيابي قبل انتهاء فترته أو عند انتهاء الفترة القانونية الى جانب أن بعض الدساتير تمنح لرئيس الدولة الحق في التعيين في المجلس النيابي أو مجلس الشورى أو حل البرلمان.
النظام الرئاسي:
إن مبدأ الفصل بين السلطات قد اتخذ المعيار لتمييز صور الأنظمة السياسية الديمقراطية النيابية المعاصرة ويتضح النظام الرئاسي في شدته وتطبيقه بأقصى حد ممكن في دستور الولايات المتحدة الأمريكية من حيث حصر السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب والفصل الشديد بين السلطات فرئيس الجمهورية في النظام الرئاسي منوط به السلطة التنفيذية وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية من دستور الولايات المتحدة الأمريكية حيث جاء فيها (تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأمريكية) وهو الذي يشغل هذا المنصب لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد بانتخاب جديد ولا يجوز بعدها تجديد هذه الولاية بأية صورة من الصور.
لذلك يصبح رئيس الدولة هو صاحب السلطة التنفيذية بشكل كامل لأنه لا يوجد مجلس وزراء في النظام الرئاسي كما هو كائن في النظام البرلماني او في النظام النصف رئاسي ولا توجد قرارات تخرج عن إرادة غير إرادته مثل ذلك عندما دعا الرئيس الأمريكي (لنكولن) مساعديه (الوزراء) إلى اجتماع وكان عددهم سبعة أشخاص حيث اجتمعوا على رأي مخالف لرأيه فما كان منه إلا أن رد عليهم بقوله المشهور (سبعة «لا» واحد «نعم» ونعم هي التي تغلب) لذلك نرى ان رئيس الدولة الأمريكية هو صاحب السلطة الفعلية والقانونية للسلطة التنفيذية على المستوى الوطني والمستوى الدولي. فعلى المستوى الوطني يناط بالرئيس حماية الدستور وتطبيق القوانين واقتراح مشروعات القوانين ودعوة الكونجرس الى عقد دورات استثنائية وتوجيه رسائل شفوية للكونجرس وتعيين كبار القضاة وتعيين المساعدين (الوزراء) وكبار الموظفين. اما على المستوى الدولي فرئيس الدولة هو المسؤول بصورة أساسية عن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالدول الأجنبية وهو الذي يعين السفراء والقناصل وهو الذي يستقبل السفراء الأجانب ويجري الاتصالات الرسمية بحكوماتهم ولذلك قيل بان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو الدبلوماسي الأول. لذلك أصبح من المهم جداً في الأنظمة الرئاسية التقيد دستورياً في مبدأ ان يتولى الشعب انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام سواء كان مباشراً او غير مباشر ومن هنا تأتي مكانة وقوة رئيس الدولة الذي يتساوى فيها مع البرلمان في شرعيته الديمقراطية والشعبية.
ولكن وبالرغم من القاعدة الشعبية التي تستند اليها مشروعية اختيار رئيس الدولة إلا ان نجاحه في مهامه وصلاحياته يتوقف على حكمته وكياسته في القيادة وقدرته على كسب المؤيدين في الكونجرس فهو يعتمد بشكل كبير على أنصاره حزبياً في البرلمان والسعي الى تكوين أغلبية برلمانية تدعمه في سياساته وقراراته.
الانظمة النصف رئاسية:
ان النظام الذي أرساه الإصلاح الدستوري في فرنسا في عام 1961م باقرار انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الشامل دون إلغاء الإطار البرلماني للدولة يبرز نموذجا متميزا من العلاقات بين الحكومة والبرلمان يمكن تسميتها بالنصف رئاسي ويحدد هذا المفهوم للنظام النصف رئاسي، و نجد في هذا النظام العناصر الجوهرية للنظام البرلماني بينما تكون السلطة التنفيذية منقسمة بين رئيس دولة ووزارة يرأسها رئيس حكومة الوزارة تمثل الأغلبية البرلمانية وهي مسؤولة سياسياً أمام البرلمان اي ان هذا الاخير يسوغ له ان يرغم -عبر التصويت على حجب الثقة- رئيس الحكومة على الاستقالة مع مجموع وزارته وللسلطة التنفيذية الحق في حل البرلمان مما يزيد من نفوذها على الأخير. والفارق الأساسي يتعلق باختيار رئيس الدولة فعوضاً عن ان يكون منتخباً من قبل البرلمانيين او عدد قليل من الوجهاء يكون هو رئيساً منتخباً بالاقتراع الشامل كما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يطبق هذا النوع في الجمهورية الفرنسية.
في البلدان العربية النظام السياسي السائد هو النظام الرئاسي بغض النظر عن شكل نظام الحكم سواء ملكيا كان ام جمهوريا فالسلطات تتركز بيد رأس الدولة دون مسائلة مع فارق جوهري عن الأنظمة الديمقراطية أن الأنظمة في البلاد العربية ليست منتخبة ولا تقوم على أو لا تطبق مبدأ تجسيد إرادة الشعب باعتباره مصدر السلطات لأن من يمارس السلطة فعليا ليس منتخبا. والآن والشعوب العربية تعيش منعطفا هاما في تاريخها المعاصر وتؤسس لمستقبل يستند للديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وتبادل السلطة سلميا يصبح الحوار حول شكل الدولة والنظام السياسي المناسب لهذه المرحلة والعمل من اجله مهما وضروريا للتوصل إلى تعديلات دستورية ملائمة لخصوصيات كل دولة وتجربتها التاريخية، والمهم في الأمر ان تكرس هذه التعديلات نموذجا متقدما للدولة الديمقراطية والمدنية دولة المواطنين جميعا بغض النظر عن العرق واللغة والدين والجنس وعمادها حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتبادل السلطة بطريقة سلمية.

عن الكاتب

عدد المقالات : 10728

اكتب تعليق

مركز تحميل الصور

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

الصعود لأعلى
جميع الحقوق محفوظة 2012 لـ الطليعة